
وهم الحاكم العادل
من أكثر الأفكار شيوعاً في الخطاب السياسي العربي الدعوة إلى الحاكم العادل، وكأن أزمة المجتمعات تختزل في أخلاق من يحكم، لا في طبيعة النظام الذي يحكم. هذه الفكرة، رغم جاذبيتها، تنتمي إلى تصور تقليدي للسلطة، يقوم على شخصنة العدل وربطه بفضيلة الفرد، لا ببنية المؤسسات. وهنا يكمن الوهم المتمثل في الاعتقاد بأن وجود حاكم صالح يمكن أن يعوّض غياب نظام عادل.
في الدولة الحديثة، لم يعد العدل يُبنى على صفات الحاكم، بل على قواعد تضبط سلطته. منذ أن صاغ مونتسكيو، الفيلسوف السياسي الفرنسي في القرن الثامن عشر، نظريته حول فصل السلطات، أصبح واضحاً أن تركيز السلطة، حتى بيد شخص عادل، يظل خطراً بنيوياً. لذلك لم يعد السؤال هل الحاكم عادل؟ بل هل النظام قادر على تقييد الحاكم وإخضاعه للقانون؟
هذا التحول يعكس انتقالاً من منطق أخلاقي إلى منطق مؤسسي. فالحاكم في الأنظمة الحديثة لا يُطلب منه أن يكون عادلاً بالمعنى الأخلاقي، بل أن يلتزم بالقانون. والقاضي بدوره لا يُفترض أن يحكم وفق ضميره الشخصي، بل وفق قواعد عامة ومجردة. الهدف من ذلك هو إخراج العدالة من دائرة الأهواء الفردية، وجعلها قابلة للتوقع والاستقرار.
لكن هذا لا يعني أن القانون نفسه عادل بالضرورة، وهنا يظهر التوتر الحقيقي في النقاش، خصوصاً مع التصورات التي تستحضر نماذج تاريخية مثل عمر بن الخطاب، الخليفة الراشدي الثاني الذي يُستحضر في الوعي الإسلامي كنموذج للعدل في الحكم، وعمر بن عبد العزيز، الخليفة الأموي الذي عُرف بإصلاحاته وعدله حتى لُقّب بخامس الخلفاء الراشدين. في هذه الرؤية، العدالة تُفهم بوصفها صفة أخلاقية لحاكم صالح، يضمن بزهده وتقواه تحقيق الإنصاف. غير أن هذا النموذج، رغم قوته الرمزية، يقوم على فرضية وجود حاكم استثنائي، وهو ما لا يمكن تعميمه أو ضمان استمراره.
هنا تتضح أهمية ما يشير إليه رونالد دوركين، وهو فيلسوف قانوني معاصر ركّز على العلاقة بين القانون والمبادئ الأخلاقية، حين يؤكد أن القانون لا يمكن أن يكون مجرد قواعد تقنية، بل يجب أن يعكس مبادئ أخلاقية تضمن المساواة والحقوق. لكن الفرق الجوهري هو أن هذه المبادئ، في الدولة الحديثة، لا تُترك لتقدير الحاكم، بل تُدمج في نظام مؤسسي يقيّد الجميع. أي أن العدالة لا تتحقق لأن الحاكم فاضل، بل لأن النظام نفسه لا يسمح بالظلم.
من هنا، لا يكفي أن نطالب بحكام يلتزمون بالقانون، بل يجب أن نسأل من يضع هذا القانون؟ وعلى أي أساس؟ في هذا السياق، تبرز أهمية الآليات الديمقراطية، لا باعتبارها ضمانة مطلقة للعدالة، بل كإطار يسمح بتمثيل أوسع لإرادة المجتمع، ويحدّ من احتكار التشريع. فالقوانين التي تصدر عن سلطة مغلقة تبقى عرضة لخدمة مصالحها، حتى لو طُبّقت بدقة.
إن اختزال العدالة في شخص الحاكم هو وهم سياسي، كما أن اختزالها في القانون وحده هو تبسيط مخلّ. العدالة، في معناها الحديث، هي نتيجة تفاعل بين مؤسسات متوازنة عبر سلطة تشريعية تعبّر عن المجتمع، وسلطة تنفيذية تلتزم بالقواعد، وسلطة قضائية مستقلة تفسّرها وتراقب تطبيقها.
بذلك، لا نحتاج إلى حاكم عادل بقدر ما نحتاج إلى نظام يجعل من الظلم أمراً صعباً، حتى لو كان من يحكم غير عادل. هنا فقط تنتقل العدالة من كونها فضيلة شخصية إلى كونها خاصية بنيوية في الدولة، ويصبح العدل نتيجة مؤسسات لا نوايا.