نقش على حجر

0 21

إلى أين تذهب؟ قالها بود، تعالَ معي، ودون أن يترك لي وقتاً للإجابة أمسك بيدي هيّا نحضر احتفال تخرّج ابنتي. لم تنقضِ الساعة والنيّف عبثاً. وصلنا…، والفرحة ترتسم على الوجوه علا صوت المعرّف: درع التفوّق تمنحه الإدارة للخريجة المتميّزة “أمل محسن”. صعدت إلى المنصة شابة بقوام ممشوق، ووجه صبوح، وشعر مسترسل ينسدل على الكتفين، وغرّة تغازل سيفين يحرسان عينين عسليتين، وشفتين كفلقتي حبّة كرز رسمهما فنان محترف. وسط تصفيق الحضور تسلّمت مكافأتها. انحنت تحيّة، ومشت إلى المنبر واثقة لتلقي كلمة رفاق الدراسة: رحّبت بالجميع، وأثنت على مدرسيها، والعاملين، والخريجات والخريجين، واستأذنت أن تحكي قصة ممرضة تخطو أولى خطواتها في دروب العمل الإنساني بشغف.

“لا أتذكّر أهلي إلّا لماماً، كنت طفلة صغيرة عندما اشتعلت البلاد من أقصى مشرقها إلى مغربها بأتون نزاعات حرقت الأخضر واليابس. إنّهما مازالا سحابة صيف تمرّ في خاطري، ولن تمحى من ذاكرتي تلك اللحظة التي سمعت فيها هدير طائرة قصفت العمارة. حدث حين كنت وأمّي عائدتين من الدكان فارتفع الغبار، وحجب الرؤية، وسدّ منافذ السماء، ولمّا انقشع شاهدناها كومة أنقاض تكدست فوق بعضها، ولم يكن أبي بين الناجين، وما فتئت صورته تسكن مخيّلتي…

نزحنا إلى مدينة مازالت آمنة، عشنا بها شهوراً في مدرسة آوت عشرات الأسر، ثمّ عمّ الخراب الأنحاء، وانتقلنا إلى قبو في حي قديم لا تزوره الشمس. مرضت والدتي، ونحل جسمها، وراحت تبصق دماً، ولم تطل أيامها فارتقت روحها إلى بارئها. أصبحت وحيدة أواجه قسوة حياة بائسة. تسوّلت اللقمة، ونمت على الأرصفة، وتحت الأدراج في مداخل البيوت، افترشت قطع الكرتون، وتوسّدت حذائي. عانيت من الحرّ والقرّ، ورافقت الكلاب والقطط الضالة، شاركتها نبش حاويات القمامة لأسكت قرقرة معدتي حتّى منّ عليّ القدر في ليليلة باردة تكوّرت على نفسي، وأغمضت على رؤيا شاهدتُني ألعب مع أطفال فوق بساط عشب نضر. أيقظتني منها يدان حانيتان لأبوين ربّتا على كتفي، وحملاني إلى دارهما، وأغدقا عليّ عطفهما فعوّضاني حنان والدين قضيا مبكرَيْن في معمعة أحداث مؤلمة. اتّخذاني حفيدة مدللة في غياب أبنائهما المهاجرِين، وما شعرت منذ ذلك اليوم بأنّي غريبة. أدخلاني المدرسة، وتابعاني وشجعاني فتفوّقت خلال سنواتي كلّها وبززت أقراني في الشهادة الثانوية، وتحقق أملي بالانتساب إلى كلية التمريض التي تقت إليها، ونلت شرف الدراسة فيها، والوجود بينكم الآن”.

شكراً لكم تلبية الدعوة، والامتنان لمن أخذ بيدنا طوال السنوات لنلج أبواب العلم والمعرفة، وأعدّنا للمضي في شعاب المستقبل واثقات وواثقين.

وخاطبتْ كهلين في الصف الأول: جدّيّ العزيزين تفضلا إلى هنا، تقدمت خطوتين، قبّلت رأسيهما وضمتهما، رفعت جائزتها عالياً، وصدحت: لن أنسى ذاك الدَّيْن الذي يطوّق عنقي ما حييت – أشارت نحوهما – والفضل كلّه لمن رعياني، وسهرا الليالي معي، وشاركاني حلمي، وإنّي لأفخر وأرفع رأسي اعتزازاً بهما، فلولاهما لم أنجز ما طمحت إليه. وتوجّهت نحوهما: أستميحكما، أنتما وحدكما عائلتي، وهذا الدّرع ليس من حقي، إنّه ثمرة جهدكما وحدبكما، وأرجو أن تتقبلاه…

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني