مجلس الشعب السوري: اختبار الشرعية وإعادة تعريف السلطة

0 45

مجلس يولد في لحظة إعادة تشكيل الدولة:

في لحظة سياسية حساسة تمر بها سوريا الجديدة، يستعد مجلس الشعب للانعقاد خلال أيام، بعد اختيار 70 عضواً بقرار من الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، وفق ما ينص عليه الإعلان الدستوري المؤقت.

لا تبدو هذه الخطوة مجرد إجراء إداري أو استكمال لبنية مؤسساتية قائمة، بل لحظة مفصلية في مسار إعادة تشكيل الدولة نفسها. فالسؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط كيف سيُشكَّل المجلس، بل أي دولة سيخدم، وأي مرحلة سيؤسس لها، وهل سيكون أداة انتقال نحو نظام سياسي أكثر شمولاً، أم امتداداً لإدارة انتقالية طويلة تبحث عن الاستقرار قبل التمثيل.

في هذا السياق، لا يمكن فصل تشكيل مجلس الشعب عن سؤال الشرعية السياسية، وعن طبيعة العلاقة المعقدة بين الدولة والمجتمع في مرحلة ما بعد الصراع.

حكومة جديدة.. بين منطق الإدارة ومنطق التمثيل:

أحد أبرز الملفات المطروحة يتمثل في الدفع نحو تشكيل حكومة أوسع تمثيلاً للمكونات السياسية والاجتماعية السورية.

هذه القضية تتجاوز فكرة “توسيع الحكومة” كإجراء تقني، لتدخل في صلب سؤال الدولة: كيف تُدار السلطة في لحظة انتقال سياسي لم تكتمل ملامحه بعد؟

فالحكومة التي لا تعكس التعدد الاجتماعي والسياسي تبقى عرضة لهشاشة الشرعية، حتى مع امتلاكها كفاءة إدارية عالية. لأن الشرعية في السياقات الانتقالية لا تُقاس بالأداء فقط، بل بمدى الإحساس بالشراكة والتمثيل.

ومن هنا يُنتظر من مجلس الشعب أن يتحول إلى مساحة ضغط مؤسسي باتجاه حكومة تقوم على منطق الشراكة الوطنية، لا على التوازنات الضيقة أو الحسابات الظرفية.

خطة ثلاثية.. من إدارة اللحظة إلى بناء المسار:

من أبرز التحديات المطروحة أمام المجلس الجديد الدفع باتجاه إلزام الحكومة بوضع خطة عمل تمتد لثلاث سنوات، تشمل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية.

هذه الخطوة تمثل انتقالاً ضرورياً من منطق إدارة الأزمة اليومية إلى منطق التخطيط الاستراتيجي للدولة.

فالدولة الخارجة من حرب وصراع طويل لا يمكن أن تُدار بردود الفعل، بل تحتاج إلى رؤية واضحة تُجيب عن أسئلة مركزية: إلى أين تتجه سوريا؟ كيف يُعاد بناء مؤسساتها؟ وما أولوياتها في ظل ندرة الموارد وتراكم الاحتياجات؟

إن غياب هذا الإطار التخطيطي يعني بقاء الدولة في دائرة إدارة اللحظة بدل صناعة المستقبل.

إعادة الإعمار.. بين التنمية وإعادة إنتاج التفاوت:

لا يقتصر ملف إعادة الإعمار على كونه مشروعاً خدمياً أو هندسياً، بل يمثل أحد أكثر الملفات حساسية سياسياً واجتماعياً.

فطريقة توزيع مشاريع الإعمار ستحدد مستقبل العدالة بين المناطق، وميزان التنمية، ومستوى الاستقرار الاجتماعي.

لذلك يُنتظر من مجلس الشعب أن يساهم في صياغة رؤية تقوم على:

– تحديد أولويات عادلة بين المحافظات والمناطق.

– ربط الإعمار بالاستقرار المجتمعي، لا بالبنية التحتية فقط.

– منع تحول العملية إلى أداة لإعادة إنتاج التفاوتات.

إعادة الإعمار هنا ليست إعادة بناء ما تهدم فقط، بل إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإعادة تعريف مفهوم العدالة المكانية والاجتماعية.

العدالة الانتقالية.. الاختبار الأخلاقي للدولة الجديدة:

في قلب المرحلة الانتقالية، يبرز ملف العدالة الانتقالية بوصفه أحد أهم معايير قياس جدية التحول السياسي.

هذا الملف لا يقتصر على البعد القانوني، بل يشمل كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وضمان حقوق الضحايا، ومنع تكرار الانتهاكات التي طبعت سنوات الصراع.

في هذا السياق، يصبح دور مجلس الشعب محورياً في تحويل العدالة الانتقالية من شعار عام إلى مسار مؤسسي واضح، بعيداً عن الانتقائية أو الاستخدام السياسي.

فنجاح هذا المسار يعني إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، بينما يعني فشله استمرار الانقسام الاجتماعي وتآكل فرص المصالحة.

المجلس بين التشريع وصناعة السياسة العامة:

لا يقتصر دور مجلس الشعب الجديد على الوظيفة التشريعية التقليدية، بل يمتد ليشمل المشاركة في رسم ملامح المرحلة الانتقالية نفسها.

فهو ليس مجرد هيئة تصادق على القوانين، بل مؤسسة يُفترض أن تمارس دوراً رقابياً على الحكومة، وتشارك في تحديد الأولويات الوطنية، وتفتح المجال أمام تمثيل سياسي واجتماعي أوسع داخل بنية الدولة.

لكن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة المجلس على التحول من مؤسسة تُقرّ القرارات إلى مؤسسة تؤثر في صياغتها، ومن جهاز إداري إلى فاعل سياسي داخل معادلة السلطة الانتقالية.

الفجوة بين تطلعات المجتمع وحدود الواقع:

تعيش المرحلة الانتقالية فجوة واضحة بين توقعات الشارع المرتفعة والإمكانات الواقعية للمؤسسات الجديدة.

فالمجتمع السوري ينتظر تحسناً اقتصادياً سريعاً، وإصلاحاً سياسياً ملموساً، وعدالة في ملفات الماضي، بينما تتحرك المؤسسات ضمن قيود سياسية واقتصادية وزمنية معقدة.

هذه الفجوة، إذا لم تُدار بوضوح وشفافية، قد تتحول إلى مصدر جديد لعدم الثقة، حتى مع وجود مؤسسات حديثة التشكيل.

ومن هنا تصبح إدارة التوقعات جزءاً من إدارة الدولة نفسها، لا تفصيلاً إعلامياً هامشياً.

لحظة تأسيس أم إدارة انتقال طويلة؟

في النهاية، يقف مجلس الشعب الجديد أمام سؤال يتجاوز تفاصيل تشكيله: هل نحن أمام بداية تأسيس سياسي جديد في سوريا، أم أمام مرحلة انتقالية طويلة لم تُحسم ملامحها بعد؟

فالمعيار الحقيقي لنجاح المجلس لا يكمن فقط في قدرته على التشريع، بل في قدرته على:

– إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.

– ممارسة رقابة فعلية على الأداء الحكومي.

– المشاركة في صياغة أولويات وطنية جامعة.

الثقة.. البنية غير المكتوبة للدولة:

في لحظة سياسية معقدة كهذه، لا يكفي بناء المؤسسات الشكلية، بل لا بد من بناء ما هو أعمق: الثقة.

فمجلس الشعب القادم في سوريا ليس مجرد هيئة تشريعية جديدة، بل اختبار لقدرة الدولة على إعادة تعريف علاقتها مع مواطنيها بعد سنوات طويلة من الانقطاع والانقسام والتحولات العنيفة.

ويبقى السؤال مفتوحاً:

هل ينجح مجلس الشعب الجديد في تحويل اللحظة الانتقالية إلى بداية عقد اجتماعي جديد يعيد بناء الدولة على أساس الشراكة والتمثيل، أم تبقى سوريا أسيرة انتقال لم يكتمل بعد؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني