
– سألتني: ماذا تفعل؟
– قرّرت العودة يا أمّاه
– إلى أين؟
– إلى منبتي
– متوجّسة: وتتركني هنا؟
– سأرتب كلّ شيء ثم تلتحقين بي
– لا تتعجل، يُقال: الأوضاع غير مستقرة
وفي الطائرة أسندت رأسي، وأغمضت فسرح الخيال في أماكن تكحّلت عيناي بمناظرها الجميلة طفلاً، وغرست في أرضها أعزّ إنسان ضحّى من أجلها وروّاها بدمه.
استقللت سيارة إلى قرية ترقد على سفح هضبة تكلّلها غابة تضاحك الشمس، والنفس تهفو لألقي التحية، وأضع وردة، كما تعوّدت، على جدث والدي. كنت أتفحّص جانبي الطريق الذي تغيّرت ملامحه المرسومة في الذاكرة، شاهدت أثر الدمار، وبقايا الحرائق، والحفر التي خلّفتها النزاعات فآلمني ما رأيت، ولمّا وصلت هالني الصمت المخيم…، فقد تداعت البيوت، وتهدّمت مئذنة الجامع وبرج ناقوس الكنيسة، وتراكمت الأنقاض، واجتُثّت الأشجار، وهجرها أهلها فعشّش فيها البوم. توجّهت إلى مقبرة أضحت خراباً، تصدّعت بوابتها، وتحطّمت شواهدها، ونُبش بعض قبورها، وتبعثرت حجارتها في الأنحاء، ومازالت آثار أقدام أوغاد عاثت بها شاهدة على شنيع ما أقدمت عليه، وخربته متعمدة. توقّفت استنجد بصورة ماضيها باحثاً عن غايتي وسط الخراب إذ مازلت أذكر على يسار المدخل، الصف الثاني، الخامس في الترتيب. يد شريرة عبثت بالشاهدة فحوّلتها قطعاً صغيرة تحتفظ بحروف من كلمة شرعت ألتقطها، وجمّعتها فوق التربة لتشكّل اسماً عزيزاً عليٌ، ثم جثوت والدموع تنهلّ وتطوف صورته كلّما أقبل بقامته الممشوقة، وببزته العسكرية وثلاث نجوم لامعة تزين منكبيه، فأسرع إليه ليحملني وأحيط عنقه، وأتشمّم عطره المميّز…
تحسست حوافها، شعرت أني أتلمّس جراحه النازفة من جديد. أيقظته من رقدته.. جلس قبالتي، لم يبتسم كعادته، وجه مكفهرّ شاحب، ونظراته سهام اخترقتني، انحنيت احتراماً، اشتقت لك، للمسة منك على شعري، أو طبطبة على كتفي لتطمئن نفسي، ولأتنسّم طيب رائحتك، ولما رسّختم وجيلكم من أفكار باهرة، ولصهيل خيولكم وزغاريدها. ارتفعت كفّه.. صمتُّ.. ماذا فعلنا لكم؟ ولماذا تزعجونا…؟
أستميحك…، لقد زرعتم بنا مُثلاً عليا، وعلّمتمونا التعاون، ونبذ الكراهية، ودفن الأنا في الصدور، وبذر المحبة والتسامح والإخاء، وكيف يكون الفداء…
دعني أخبرك، دارت الأيام دورتها فعضضنا على النواجذ ترقباً، وتسنّم أوباش العصر الذرى. في عرفهم صرتم قتلى فأكرموكم بتدمير حديقتكم، وسعوا لاقتلاع غراسكم، وطمس تضحياتكم لتذروها الرياح وتنثرها هباء في الدروب، وإسكات أهزوجة ترنّمنا بها كثيراً “يا عريساً خضّبوك بغير حنّا…” فانطلقت ترتقي بأرواحكم في سماء سامقة لا حدود لها…
هؤلاء، يا أبي، يرفعون ستارة تغشي الرؤيا، ويلوّحون بها لعلّهم يحجبون النور، ويطفئون الشعلة التي أورثتموها…، لننسى أرضاً أرضعتمونا حبّها صغاراً فعشقناها، وها نحن نحمل رايتها فوق الهامات. تسكن بين جوانحنا، وتسري مع النبض في العروق، وتنام مطمئنة بين شُغُف الأفئدة. استحوذت على القلوب والعقول وتملّكتها. نغادرها فلا تفارقنا ثمّ نعود إليها صاغرين.
السبت 2026/3/28