سعر القمح في سوريا 2026: حين يتحول الخبز إلى اختبار لبقاء الفلاح والأمن الغذائي

0 6

موسم لا يُقاس بالمحصول بل بالبقاء

في سوريا، لم يعد موسم القمح يُقاس فقط بكمية الإنتاج أو جودة الحصاد، بل بقدرة الفلاح على الاستمرار في أرضه حتى نهاية الموسم. هذا العام، لم يكن الحدث في الحقول، بل في القرار الذي سبقها: تسعيرة القمح لموسم 2026.

قرار وزارة الاقتصاد والصناعة بتحديد سعر شراء طن القمح القاسي بنحو 46 ألف ليرة سورية جديدة، أي ما يعادل قرابة 330–338 دولاراً أمريكياً، أثار موجة واسعة من الجدل في الأوساط الزراعية، خصوصاً في الحسكة والرقة ودير الزور ودرعا وسهل الغاب.

في تلك المناطق، حيث تُدار الزراعة غالباً بالدَّين والمخاطرة، لم يُقرأ القرار كإجراء اقتصادي فقط، بل كاختبار مباشر لقدرة الفلاح على الاستمرار. وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن السعر يعكس الظروف الاقتصادية العامة، يرى مزارعون أن الرقم لا يغطي تكلفة الإنتاج الفعلية.

أسعار عالمية لا تعكس صورة محلية معقدة

في الأسواق العالمية، يتحرك سعر القمح بين 215 و290 دولاراً للطن، مع تسجيل القمح الأوكراني مستويات تقارب 215–220 دولاراً، والروسي بين 230 و245 دولاراً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 290 دولاراً بحسب الجودة وظروف الشحن.

لكن هذه المقارنة، رغم حضورها في النقاش العام، لا تعكس الواقع السوري بشكل دقيق. فالدول المنتجة تعتمد على منظومات دعم زراعي تشمل الوقود والأسمدة والتمويل والآليات، إضافة إلى استقرار البنية التحتية وسلاسل التوريد.

في المقابل، تشير تقديرات ميدانية وخبراء زراعيون إلى أن كلفة إنتاج طن القمح في سوريا تختلف بشكل واسع حسب طبيعة الزراعة (مروية أو بعلية) ومستوى المدخلات، ما يجعل المقارنة المباشرة مع الأسواق العالمية غير كافية لتفسير الفجوة.

الزراعة بالدَّين: موسم يبدأ بالاقتراض وينتهي بالضغط

في كثير من مناطق الإنتاج، لم تعد الزراعة تعتمد على رأس مال تشغيلي، بل على الدَّين.

يقول أحد مزارعي شرق سوريا: “نشتري البذار والسماد والمازوت بالدين، نزرع سنة كاملة، وفي النهاية لا يغطي السعر حتى الكلفة”.

شهادات متعددة تشير إلى أن عدداً كبيراً من الفلاحين يمولون الموسم عبر القروض أو بيع أصول صغيرة، في ظل غياب سيولة كافية أو دعم تشغيلي مباشر. ومع تكرار المواسم الخاسرة أو الهامشية، تتزايد المخاوف من تقلص المساحات المزروعة بالقمح لصالح محاصيل أقل كلفة وأقل مخاطرة.

تكاليف مرتفعة ومعادلة غير مستقرة

تكشف بيانات ميدانية من كشف تكاليف لمساحة تقارب 15 دونماً أن الكلفة الإجمالية تصل إلى نحو 1840 دولاراً، تشمل الحراثة والبذار والأسمدة والري والحصاد والنقل والتعبئة.

وبحسب تقديرات زراعية، فإن كلفة إنتاج القمح تختلف بشكل كبير من منطقة إلى أخرى، وقد تتراوح تقريباً بين 300 و450 دولاراً للطن، تبعاً للإنتاجية ونوع الزراعة ومستوى التكاليف التشغيلية.

ويشير خبراء إلى أن الإشكال لا يكمن في الأرقام وحدها، بل في غياب معادلة تسعير مستقرة وواضحة تقوم على: تكلفة الإنتاج + هامش ربح عادل = سعر مجدٍ ومستدام.

لكن الواقع يعكس معادلة مختلفة: تكلفة مرتفعة مقابل سعر شراء ثابت، ما يضع كثيراً من المزارعين بين التعادل والخسارة.

دعم يتراجع وسياسات غير مستقرة

يرتبط الجدل أيضاً بتراجع الدعم الزراعي خلال هذا العام. ففي الموسم السابق، حصل الفلاحون على حوافز إضافية وصلت إلى نحو 100 دولار للطن، قبل أن تغيب في موسم 2026.

هذا التراجع عمّق الفجوة بين كلفة الإنتاج وسعر الشراء، وأضعف ثقة المزارعين باستقرار السياسات الزراعية في قطاع يعتمد على دورة سنوية طويلة ومكلفة.

وفي ظل هذا الغموض، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يُعامل القمح كقطاع استراتيجي يحتاج حماية، أم كسلعة تُترك لتقلبات السوق؟

اعتراضات من داخل القطاع الزراعي

لم يقتصر الجدل على الأوساط الشعبية، بل امتد إلى مؤسسات القطاع الزراعي نفسه. فقد وجّه اتحاد فلاحي درعا كتاباً رسمياً إلى الاتحاد العام للفلاحين يطالب فيه بإعادة النظر في التسعيرة، معتبراً أنها لا تراعي الارتفاع الكبير في تكاليف الإنتاج.

هذا التحرك يعكس انتقال الأزمة من مستوى فردي وشعبي إلى موقف مؤسساتي، ويشير إلى اتساع القلق داخل القطاع الزراعي من مستقبل زراعة القمح في البلاد.

احتجاجات وغضب في الأرياف المنتجة

في الحسكة والرقة ودير الزور، تكررت ردود الفعل الغاضبة تجاه القرار. مزارعون وصفوا التسعيرة بأنها “لا تترك أي جدوى اقتصادية من الزراعة”، فيما عبّر آخرون عن أن الموسم “خاسر قبل أن يبدأ”.

المزاج العام في الأرياف يتراوح بين الإحباط والقلق، مع شعور متزايد بأن الفلاح يتحمل وحده عبء استمرار الإنتاج الزراعي في ظل ارتفاع التكاليف وضعف الدعم.

تناقض بنيوي في منظومة الإنتاج

تكشف وثائق رسمية عن مفارقة لافتة في هيكل الإنتاج الزراعي، حيث يتم تسعير مدخلات مثل البذار بنحو 500 دولار للطن، بينما يتم شراء القمح من الفلاح بما يعادل 330–338 دولاراً.

هذا التناقض بين مدخلات بالدولار ومخرجات بالليرة السورية يخلق خللاً هيكلياً في القطاع، ويجعل كثيراً من الفلاحين في موقع الخسارة حتى في ظروف إنتاج طبيعية.

الأمن الغذائي على المحك

القمح في سوريا ليس مجرد محصول اقتصادي، بل عنصر أساسي في الأمن الغذائي الوطني، لارتباطه المباشر بالخبز، الغذاء اليومي لمعظم السكان.

ويحذر خبراء من أن استمرار ضعف الجدوى الاقتصادية قد يؤدي إلى:

  • تقلص المساحات المزروعة.
  • خروج مزارعين من القطاع.
  • زيادة الاعتماد على الاستيراد.

وهو ما يجعل الأمن الغذائي أكثر ارتباطاً بالأسواق الخارجية وأكثر عرضة للصدمات العالمية.

نماذج إقليمية مختلفة

في العراق، يصل سعر شراء طن القمح إلى نحو 550 دولاراً ضمن سياسة دعم مباشرة تستهدف تعزيز الإنتاج المحلي.

أما في تركيا، فيبلغ السعر نحو 300 دولار، لكنه يرتبط بحزمة دعم تشمل الوقود والأسمدة والمبيدات، ما يخفض فعلياً تكلفة الإنتاج على المزارع.

هذا التباين يعكس اختلاف الفلسفات الاقتصادية بين دعم الإنتاج الزراعي أو الاكتفاء بالتسعير دون منظومة حماية متكاملة.

معادلة الدولة والفلاح

تواجه الحكومة السورية الجديدة معادلة دقيقة: رفع السعر يضغط على الموازنة العامة، بينما إبقاؤه منخفضاً يهدد بانكماش الزراعة وتراجع الإنتاج.

وفي المقابل، يقف الفلاح أمام خيارين صعبين: الاستمرار بخسائر محتملة أو تقليص النشاط الزراعي تدريجياً.

سؤال يتجاوز السعر

تكشف أزمة تسعير القمح في سوريا لعام 2026 أن القضية لم تعد مرتبطة برقم اقتصادي فقط، بل بمنظومة كاملة من السياسات الزراعية والاقتصادية والأمن الغذائي.

وبين فلاح يقول إنه “يخسر قبل أن يحصد”، ودولة تحاول إدارة موارد محدودة وضغوط معيشية متزايدة، يبقى السؤال مفتوحاً:

هل يمكن صياغة سياسة زراعية تحفظ الفلاح في أرضه، قبل أن نخسر الأرض وما تنتجه معاً؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني