من تراجع النفوذ في الخليج إلى الرهان على دمشق: السر وراء دعوة الرئيس السوري إلى قمة السبع الكبار

0 6

كل ما يجري من تحولات جيوسياسية وإعادة صياغة إستراتيجيات كبرى، يجري في سياق ما بعد حرب الطوفان، إذ لا تزال تداعيات تلك الحرب مستمرة في رسم ليس فقط المشهد الإقليمي بل والدولي أيضاً، وهذا ما يُجمع عليه أغلب المراقبين.

كل ما بعد السابع من أكتوبر 2023 لن يشبه ما قبله، حيث كانت الإمبراطورية الأمريكية سعيدة حقاً باستمرار الحرب الجارية في أوكرانيا بين الحليف الأوروبي والخصم الروسي، وقدمت الولايات المتحدة ما فيه الكفاية لإحداث التوازن بينهما وضمان عدم انتصار أحدهما على الآخر وتحويل الحرب إلى استنزاف للطرفين. ولم يتأخر الرئيس الأمريكي الحالي في تقديم نفسه كوسيط لأحلام السلام وجني ثمار الحرب، وباءت الجهود بالفشل لأنها لم تكن واقعية أو منطقية، بل كانت لإيجاد سبب للنأي بالنفس والتفرغ للعدو الأكبر الحقيقي للولايات المتحدة الجاثم في الشرق الأقصى، والذي يبلغ معدل نمو اقتصاده السنوي ثلاثة أضعاف النمو المسجل في الاقتصاد الأمريكي، إضافةً إلى تنامي قدراته العسكرية.

كانت خسارة المحور الشرقي (غير المعلن) كبيرة في سوريا، حيث خرجت من دائرة الهيمنة الإيرانية الروسية بإسقاط نظام الأسد، وبالتالي صبّ هذا التحول طبيعياً في مصلحة الولايات المتحدة، وبشكل مفاجئ وغير متوقع، ودون أن تُكلّف نفسها عناء إطلاق رصاصة. بل إنّ الكيان الإسرائيلي كان من أكبر الخاسرين من هذا الحدث الكبير، حيث إنه كان من دعاة عدم تغيير نظام الأسد، مع مساوئه عليه، وهو أفضل بألف مرة من انتصار أحد نماذج الثورات العربية، وخاصةً بالبعد الإسلامي الذي يُميز قادة العهد الجديد.

في كل الحروب التي اندلعت في سياق حرب الطوفان، لم تتمكن الولايات المتحدة عبر وكيلها الإسرائيلي من تحقيق أي نصر على عدوها الإيراني ووكلائه. فحرب الإبادة على غزة لم تُحقق أهدافها الرئيسية، إن كان في تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، ولا في استسلام المقاومة ونزع سلاحها، ولا مكّنت مشاهد الهمجية والدمار إسرائيل من استعادة هيبة الردع. أما الحرب مع حزب الله فلا تزال جارية، ولن يكون مصيرها أفضل حالاً للكيان من الحرب على غزة، مما يُبقي الخطر على إسرائيل قائماً أيضاً من الشمال.

فيما فشلت كل المخططات الإسرائيلية في سوريا، والتي ظنّتها فريسة سهلة خارجة ومدماة من أتون حرب الأربعة عشر عاماً، فلم تتمكن دولة الاحتلال من العبث في الجغرافيا السياسية السورية، وتمكنت الدولة الجديدة من توحيد البلاد والعباد. ولعبت القيادة السورية الجديدة بمهارة على اختلاف المصالح الإسرائيلية الأمريكية تجاه سوريا، بحيث تمكنت من إقناع الولايات المتحدة برفع كل العقوبات عن سوريا وقيادتها دون قيد أو شرط، ولم تستجب لكل ضغوط اللوبي الإسرائيلي بإبقاء بعضها كورقة تخدم الأهداف الإسرائيلية، ولم تتمكن قيادة الكيان من فرض أي اتفاق (أمني أو سياسي) على الحكومة السورية، التي بقيت مُصرّة على موقفها وتدير الصراع مع العدو بالطريقة التي لا يريدها العدو نفسه.

الطامة الكبرى التي واجهتها الولايات المتحدة هي الدخول بنفسها مع وكيلها الإسرائيلي في الحرب على إيران، ولم تُحقق أيّاً من أهدافها المعلنة أو غير المعلنة في نسختي الحرب عام 2025، وتُسمى الأولى حرب الـ 12 يوماً، والحرب الحالية المتوقفة بهدنة هشة وتُعرف بحرب الـ 39 يوماً.

خسرت، وستخسر، الولايات المتحدة كثيراً من نفوذها وهيبتها، وبات عجزها العسكري واضحاً في فقدان السيطرة على أهم مضيقين في المنطقة، وهما باب المندب وهرمز. وبالتالي، لم تحقق القوة البحرية الأولى في العالم النصر على مجموعة ما دون الدولة في اليمن، ودولة متوسطة القوة كإيران. وبالتالي، فإن أي خسارة للولايات المتحدة ستصبّ ربحاً في رصيد القوى المنافسة لها، وهي الصين أولاً وروسيا ثانياً، اللتان تذيقان واشنطن من نفس الكأس التي أذاقتهما إياها، وما تزال، في أوكرانيا وتايوان.

وفي ظل وجود احتمال قوي وجدي لتقلص النفوذ الأمريكي في الخليج العربي بعد تدمير القواعد الأمريكية فيه، بل وحتى في رغبة الممالك العربية بالابتعاد خطوة عن الولايات المتحدة، حيث لم تأبه واشنطن لزجّ دول المنطقة في حرب لا مصلحة لها فيها، ولم تستشرها فيها أيضاً، وركّزت فقط على مصالح الكيان الإسرائيلي، ناهيك عن الحقيقة التي تجسّدت، وهي أنّ القواعد الأمريكية لم تتمكن من حماية نفسها، فكيف لها أن تحمي غيرها؟

وبحسب الاتفاق الموقع مع الحكومة العراقية، فإنّ الولايات المتحدة ستخلي قاعدتها العسكرية الوحيدة المتبقية في شمال العراق في خريف هذا العام، وبذلك ستبدو وكأن الولايات المتحدة قد خسرت المعركة مع إيران وخرجت من الشرق الأوسط، وستبدو قاعدتها الإسرائيلية مهددة وغير قادرة على الدفاع عن نفسها في ظل وجود تهديد حقيقي لها أثبتته الحروب الأخيرة، إضافةً إلى فشل كل أشكال التطبيع الإسرائيلي مع العرب، والنقمة المتزايدة على الكيان بعد الحرب على غزة.

ومن نتائج الحرب الأخيرة، والتي لم تنتهِ بعد، أنّ الولايات المتحدة بحاجة للتواجد بقوة في المنطقة لحماية مصالحها وتقليل الخسائر الناجمة عن الحرب الأخيرة، ولا يوجد أفضل من سوريا لتسخين العلاقة معها، باعتبارها ستكون نقطة ارتكاز قوية في الشرق الأوسط بجوار دولة الاحتلال، وتُطلّ على مخزونات الطاقة في الخليج وطرق عبورها إلى المتوسط، والإشراف بشكل عام على سلاسل التوريد في المنطقة والتحكم فيها، وخاصةً خطوط الحزام والطريق الصينية.

ومع وضوح هذه الصورة، لمسنا مؤخراً اندفاعة أوروبية متأخرة قليلاً تجاه سوريا، تمثلت في تفعيل اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وسوريا، وهو ما يتطلب بالضرورة رفع ما تبقى من العقوبات. ونشاهد أيضاً اندفاعة أمريكية نحو سوريا تجلت بدعوة الرئيس السوري إلى اجتماع مجموعة السبع الكبار في الشهر المقبل، ولم يكن صعباً إدراك مضمون إرسال الرئيس الأمريكي لزجاجات العطور للرئيس السوري. كل ذلك ستتمكن القيادة السورية من تجييره لصالح الدولة السورية بما يخدم مصالحها أولاً.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني