تواطؤ

0 19

انقطع التيار فعصفت الظلمة.. صرخ حفيدي: يا أولاد… كيف أنهي واجباتي…؟ أشعلت والدته شمعة ووضعتها على الطاولة، سطع ضوءها ضعيفاً بالكاد أنار صفحة كشكوله. مطّ شفتيه وتمتم بكلمات غير مفهومة، وتابع الكتابة…، ولمّا انتهى اقترب مني وفي عينيه يلمع بريق سؤال. بادرته، ما بك؟

– أريد أن أعرف، إلى متى يتقطّع التيار الكهربائي؟

– أنا لست موظفاً بشركة الكهرباء، ولا أملك جواباً، اذهب للنوم يا بني، تصبح على خير

وفي الصباح وقف أمام المغسلة، وفتح الصنبور، نقاط بسيطة تسرّبت إلى يديه فعلا صوته: أين الماء؟ كيف سأذهب إلى المدرسة؟ جاءت أمّه بإبريق… غسل وجهه مسحاً وانطلق وهو يسبّ ويشتم…

من الشرفة تابعت حركة الشارع، تجمّع كبير لطابور كأنّه وفد حجيج من جرار الغاز محمولة فوق الأكتاف، رجال ونساء تحثّ خطاها، وتتسابق لتكون في الأدوار الأولى دون أن تعلم أنّ الزحام بلغ أشدّه، وتعالت الأصوات، وتدافعت الأجساد، والبطل من يندسّ بينها، ويستطيع التملّص ليصبح في المقدمة، ويحسن التملّق ليحصل على واحدة، ويعود إلى أمّ العيال فرحاً كأنّه قطع رأس كليب…

عاد الصغير ظهراً مقطّب الجبين، رمى حقيبة كتبه على الكنبة وأسرع إلى الحمام، ولمّا خرج وجدني أمامه، غداً لن أذهب…، مسحت على شعره بلطف: خير، أخبرني…

– كدنا نموت من البرد، لا يوجد تدفئة، ولا ماء، والحمامات وسخة تطفح قذارة، ولاكهرباء فلا نرى ما يكتبه المعلم على السبورة إلا بصعوبة، والتلاميذ البعيدون لا يأتون…

– عليك أن تتعود على الصبر، ولست الوحيد في هذا…

– جدّي لماذا يفعلون ذلك؟

– أزمة كبيرة، وهناك من يستغلها، وعلينا أن نتعاون لنتجاوزها بسلام

– من هم…؟

– لصوص يسرقون كل شيء

– وماذا تفعل الحكومة؟

– تحاول الإمساك ببعضهم

– والباقي …؟

– لهم حماية ما…

نما الطفل، لم يعد ساذجاً، وكبرت أحلامه في متاهات عالم مضطرب. عاش أيامه ينتظر زيارة الكهرباء غباً لينجز أعماله، أو يقف أمام نوافذ الأفران، أو معتمدي الغاز أو البحث عن لترات مازوت تكفي، بالتقسيط، ليومين، أو دفع فواتير الاتصالات، ثم يعود إلى البيت مكدوداً ومتألماً مما عاناه طوال يومه يلهث لالتقاط حاجات المنزل في غياب والده المختفي قسراً دون أن نعرف مصيره أو الذين اختطفوه. ورغم قسوة ظروف الحياة أصرّ على متابعة الدراسة حيث عمل في ورشات عديدة ومتنوعة لتأمين مصاريف الأسرة والجامعة.

أشرقت شمس ربيعية فاستبشر الجميع وغنّوا…، لقد تغيّر الرجال وبقيت ظلالهم في المرآة لم تتبدل، والحال كما هي، وما التجديد إلا ترميم بطلاء مغاير بلا لون. النار تعسّ ولا يمكن إخفاء ما تحت الرماد…، صدح بعضهم…، وزفر آخرون…

توكأت على عكازي، ونزلت أتجول…، هناك ما يدعو للعجب، استوقفتُ شاباً، في مجموعة من أصدقاء حفيدي، متسائلاً عن سرّ فوضى الطوابير. افترّت الشفاه عن ابتسامات حائرة، وأجابت فتاة: يا سيدي، ما زال بندول الساعة يتأرجح، والعقارب تدور؛ لكنّ الزّمن توقّف، يتمسّك بالثابت المعهود، وينفي التحوّل…

– وسلطات التغيير؟

– ببساطة، إنّها، كما ترى، تنظر في ظاهر الأدواء، وتغضّ عن معالجة أسبابها!…

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني