الفرات لم يفض… بل أُفيض

0 11

لسنوات، كان السوريون يخشون أن يجف الفرات. اليوم، يخشون أن يفيض، والمفارقة أن العامل الحاسم في الحالتين ليس الطبيعة وحدها، بل القرار الذي يُتخذ عند بوابات السدود شمالاً.

هذا العام، ومع امتلاء بحيرات السدود التركية تحت ضغط موسم مطري وثلجي استثنائي، لم يعد نهر الفرات يتجه نحو ارتفاع موسمي عابر، بل نحو مشهد يكشف هشاشة التوازن المائي والسياسي في المشرق كله. خلال أيام قليلة، تحولت مناطق واسعة في الرقة ودير الزور إلى حالة استنفار مع ارتفاع غير مألوف لمنسوب النهر، وغمرت المياه أراضٍ زراعية ومنازل ومنشآت قريبة من الضفاف، بينما بدا المشهد غريباً على منطقة اعتادت خلال السنوات الأخيرة الحديث عن الجفاف لا عن الفيضانات.

لكن ما جرى لم يكن “فيضاناً” بالمعنى الطبيعي البسيط للكلمة. فالفرات لم يعد نهراً طبيعياً بالكامل؛ لقد صار نظام تشغيل إقليمياً تتحكم به السدود وشبكات الطاقة وحسابات الاقتصاد والسياسة بقدر ما تتحكم به الطبيعة والمناخ.

قبل أعوام قليلة فقط، كان الفرات رمزاً لأزمة معاكسة تماماً. فقد عاشت سورية والعراق سنوات من انخفاض التدفقات القادمة من تركيا، حتى وصلت بعض السدود السورية إلى مستويات خطيرة أثرت على إنتاج الكهرباء والزراعة ومياه الشرب. يومها، كان الخطاب السائد يتحدث عن “تعطيش” الفرات واستخدام المياه كورقة ضغط جيوسياسية. أما اليوم، فإن الخطر يأتي من الاتجاه المعاكس: إفاضة مائية ضخمة تدفع النهر إلى حافة الفيضان.

السبب المباشر الظاهر كان طبيعياً إلى حد بعيد. تركيا شهدت موسماً استثنائياً من الأمطار والثلوج، خصوصاً في مناطق الأناضول التي تغذي حوض الفرات. ومع ارتفاع مستويات التخزين خلف السدود الكبرى، وعلى رأسها سد أتاتورك، اضطرت السلطات التركية إلى زيادة التصريف المائي لتخفيف الضغط عن الخزانات وحماية البنية التخزينية نفسها من أخطار الامتلاء الزائد.

غير أن تفسير ما جرى بالمناخ وحده يبقى ناقصاً. فالنهر الذي يعبر اليوم سلسلة من السدود العملاقة، لم يعد يتحرك وفق قوانين الطبيعة فقط، بل أيضاً وفق احتياجات الطاقة وحسابات الاقتصاد والسياسة.

في الخلفية، كانت أزمة الطاقة تتحرك بصمت. فتركيا، رغم امتلاكها قاعدة صناعية وطاقة كهرومائية كبيرة، ما تزال تعتمد بصورة واسعة على استيراد الطاقة، خصوصاً الغاز الطبيعي. ومع اضطراب أسواق الطاقة الإقليمية وارتفاع حساسية الإمدادات مع أزمة “هرمز”، ازدادت أهمية التوليد الكهرومائي داخل معادلة الأمن الطاقي التركي.

وفي السدود الكهرومائية، لا تتحول المياه إلى كهرباء إلا حين تمر عبر التوربينات. لذلك، فإن أي ضغط طاقي يترافق مع مخزون مائي ضخم خلف السدود، يخلق تلقائياً حافزاً لزيادة التشغيل الكهرومائي ورفع معدلات التصريف.

لا توجد تصريحات تركية رسمية تقول إن أنقرة رفعت الإفاضات المائية خصيصاً لتعويض اضطرابات الطاقة أو لتخفيف كلفة الوقود، لكن الربط بين العاملين ليس خيالاً سياسياً بقدر ما هو قراءة منطقية لطبيعة تشغيل السدود نفسها وللظروف الاقتصادية المحيطة. وما جرى على الأرجح كان تراكباً لعاملين في لحظة واحدة: امتلاء استثنائي للخزانات بسبب الموسم المطري، وحافز اقتصادي وطاقي يدفع نحو تعظيم الاستفادة من التوليد الكهرومائي.

النتيجة كانت اندفاع كميات ضخمة من المياه نحو سورية والعراق، لتجد الدولتان نفسيهما أمام حقيقة تتكرر منذ عقود بأشكال مختلفة: مصير الفرات لم يعد تحدده الطبيعة وحدها، بل أيضاً سياسات تشغيل السدود التركية وحسابات الطاقة والاقتصاد داخل أنقرة.

غير أن أكثر ما يكشف قسوة الكارثة ليس المياه وحدها، بل اللغة التي تُستقبل بها الخسائر. فسرعان ما يتحول المتضررون في الخطاب الإداري والإعلامي إلى مجرد “مخالفين” بنوا قرب الضفاف أو استثمروا في مناطق معرضة للخطر، وكأن الفقر والحرب والانهيار الاقتصادي كانت خيارات فردية حرة. في دير الزور خصوصاً، لم يقترب الناس من النهر لأنهم يجهلون مخاطره، بل لأن النهر بقي آخر ما تبقى من شروط الحياة والعمل والزراعة في منطقة استنزفتها الحرب والتهميش والانهيار. وحين تصبح المخالفة العمرانية ذريعة لتخفيف قيمة الخسارة الإنسانية، تتحول الكارثة من أزمة طبيعية أو سياسية إلى شكل آخر من أشكال نزع الشرعية عن معاناة الناس أنفسهم.

ومع ذلك، فإن اختزال المشهد كله في قرارات أنقرة وحدها يحجب جانباً آخر من الأزمة. فالنهر الذي يُدار من أعلى، يمر أيضاً عبر جغرافيا منهكة بحروب طويلة وتفكك مؤسسي وتراجع حاد في البنية التحتية والإدارة المائية. وقد كشفت الإفاضات الأخيرة هشاشة شبكات التصريف، وضعف التخطيط الفيضي، وفوضى البناء قرب الضفاف، وتآكل منظومات الإنذار والاستجابة المحلية.

ومع هذا كله، تبقى الحقيقة الأساسية قائمة: الدول التي تتحكم بالمنابع تملك قدرة هائلة على التحكم بإيقاع الحياة الاقتصادية والزراعية وحتى الاجتماعية في دول المصب. فالسد لم يعد مجرد منشأة هندسية لتخزين المياه أو توليد الكهرباء، بل صار أداة لإدارة النفوذ الإقليمي والتحكم بإيقاع الحياة في المشرق نفسه.

كثير من السوريين يقولون لتركيا: شكراً لأنكم فتحتم أبوابكم لملايين البشر الهاربين من كارثة آل الأسد، وشكراً لأنكم وقفتم – بدرجات متفاوتة – إلى جانب شعب كان يُسحق تحت آلة القتل والتهجير. لكن هذا الامتنان لا يمكن أن يتحول إلى صمت دائم على كل ما تفعلونه. فالعلاقات بين الشعوب لا تُبنى على المقايضة الأخلاقية، ولا يعني موقف إنساني أو سياسي في لحظة تاريخية أن تصبح بقية الملفات خارج النقاش أو النقد أو المساءلة. السوري الذي شكر تركيا على موقفها من المأساة السورية، لن يقبل في الوقت نفسه أن يتحول أمنه المائي والغذائي إلى ملف تتحكم به الحسابات التركية وحدها.

في المشرق الحديث، لم تعد الأنهار تجري وفق الجغرافيا وحدها، بل وفق شبكات الكهرباء وأسعار الطاقة وقرارات غرف التشغيل.

ولهذا لم تعد أزمة الفرات مجرد ملف بيئي أو زراعي، بل باتت عقدة استراتيجية تربط المناخ بالطاقة بالأمن القومي. وربما تكمن المفارقة الأخطر في أن المنطقة تدخل عصراً تصبح فيه الكوارث المتناقضة — الجفاف والفيضان معاً — وجهين للخلل نفسه. خللٌ لا تصنعه الطبيعة وحدها، بل طريقة إدارة البشر للطبيعة حين تتحول الأنهار إلى أدوات داخل معادلات القوة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني