محافظة الحسكة بين الاندماج الفوقي والتفاعل المجتمعي

0 16

تعيش محافظة الحسكة بمكوناتها كافةً مخاضاً عسيراً واضطرابات غير مسبوقة، وتوترات تكاد تدفع لما لا يحمد عقباه، وإلى ما لا نتمناه لا سمح الله، نتيجةً لسوء تسيير ملف الاندماج، وعدم حسن اختيار الأشخاص الأكفاء، لتطبيق خارطة طريق الاندماج الموقعة بين الدولة وتنظيم قسد.

1- من حيث المبدأ يجب أن يكون مَفهوم الاندماج هو عودة اللحمة الوطنية لكل مكونات المنطقة، واستعادة الثقة التي مزقتها حقبة حكم النظام الساقط، الذي اقتات على زرع الفتن وتأجيج النعرات الإثنية في المنطقة، وهذا يتمّ من خلال قيام النخب الوطنية والثقافية والمجتمعية بإقامة ندوات مشتركة من كلّ المكونات تحضّ على التآلف والتعاون، وعودة الثقة بين جميع المكونات، ومن خلال الفعاليات المهنية والثقافية، التي تقدّم نماذج وأمثلةً تشجع المغرّر بهم، المغسولة أدمَغتهم في التعصب الإثني والطائفي والعشائري. لأن مفهوم الاندماج يجب أن يكون مجتمعياً قاعدياً وليس قيادات وأشخاصاً ورموزاً قيادية بحكم الأمر الواقع.

2- الاندماج ليس عملية محاصصة بالمناصب والمسؤوليات كما يحدث الآن بين قسد والهيئة، منصب مقابل منصب، ومسؤولية مقابل مسؤولية، مع تهميش الآلاف من الإطارات من كلّ المكونات التي لعبت دوراً وطنياً وقدّمت تضحياتٍ ليس خلال مرحلة الثورة فحسب بل فيما قبلها من الأحزاب والشخصيات الكردية والعربية والسريانية، وأهم من كل هؤلاء الشخصيات الوطنية الجامعة التي تحظى باحترام وتقدير وثقة أغلب مكونات المنطقة وينظر إلى وطنيتهم بعيداً عن مرجعيتهم الطائفية أو القومية أو العشائرية. بل لحياديتهم أمام كل هذه الانقسامات وتجاوزهم لكل هذه التسميات المصطنعة من قبل تجار الحروب وراكبي الموجات من قوى الأمر الواقع.

3- تقديم الولاءات على الكفاءات وكأن المنطقة ومسؤولياتها تحولت لغنيمة حرب للمتفاهمين والمتفاوضين، وتهميش كل القوى والفعاليات والشخصيات الوطنية والكفاءات العلمية والثقافية والسياسية التي تزخر بها المنطقة ومن كل مكوناتها، وهذا لضمان الثقة بالاندماج ودفع المنطقة للتنمية والازدهار واستعادة دورها في رفع الاقتصاد السوري ما ينعكس على رفع المستوى المعيشي.

أما عملية المحاصصة الحاصلة في غرف ضيّقة ومظلمة لن تخلق اندماجاً بل بالعكس خلّفت حالات احتجاج وتوتر وحقن اجتماعي وَزيادة في فجوة الانقسام المجتمعي الذي يخدم القوى المتطرفة والمتعصبة من كل المكونات.

من يريد أن يبني وطناً يجب أن يقدّم الكفاءة على الولاء، ويعطي لكلّ ذي حقٍ حقه، ويحمي المؤسسات بوضع مسيّرين ذوي قدرة على تسييرها، ويحيّد الطاقات العسكرية والمقاتلين عن الإدارة، ويدمجهم في المؤسسات الأمنية والعسكرية وفق التخصص.

كما يجب أن يتحمل المسؤوليات أبناء المنطقة الضالعين في فهم مشاكلها وتاريخها وتنوع مجتمعها، وكما يقال أهل مكة أدرى بشعابها.

أما الوافدون الجدد، الذين لم يشهدوا سنوات التعايش المجتمعي ومتعة التآخي بين المكونات فتبقى نظرتهم سطحية ومرتبطة بالصراعات وسنوات الحرب وربما الثأر والانتقام، ويبقى الاندماج عندهم ميكانيكياً قابلاً للتفكك بأي لحظة وليس اندماجاً مجتمعياً تسوده الثقة والتعاون والتكامل.

لهذا، يتطلب من المسؤولين وفي مقدمتهم الدولة وقادة تنظيم قسد تفهم متطلبات الاندماج إذا كانوا حريصين على نجاح العملية كحيادين تجاه اختيار المسؤوليات والمهام ويمتلكون من الإثارة والحس الوطني الصادق الذي يجعل الكلّ يحترمهم ويتناسوا الأحقاد ومخلفات الحروب القذرة التي خرج الجميع منها مهزومين.

والنصر الحقيقي هو أن يعمّ السلام وينتشر الأمن ويرتفع مستوى حياة المواطن ونستعيد كرامتنا جميعاً تحت ظل ّ دولة القانون دولة المواطنة المتساوية دولة مدنية ديمقراطية تضمن التداول على السلطة بآلية انتخاب شفافة، وألا تتحول الدولة لغنيمة حرب لا سمح الله.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني