هل ما زالت سورية بحاجة إلى هيئة حكم انتقالية؟

0 18

قبل قرابة عام ونصف، طُرحت فكرة تشكيل هيئة حكم انتقالية لإدارة المرحلة التي أعقبت سقوط النظام السابق.

يومها انقسمت الآراء بين من رأى أن هذا هو الطريق الطبيعي لإدارة مرحلة انتقالية معقدة، ومن اعتبر أن السلطة الجديدة ينبغي أن تُمنح الفرصة كاملة لإدارة البلاد دون شريك.

واليوم، وبعد مرور كل هذا الوقت، لم يعد السؤال هو: هل كان ذلك الاقتراح صائباً أم لا؟

السؤال الذي فرضته التجربة نفسها هو: هل ما زالت سورية بحاجة إلى هيئة حكم انتقالية؟

قد يبدو السؤال غريباً للوهلة الأولى. فالمرحلة الانتقالية بدأت بالفعل، وهناك سلطة يمكن وصفها بأنها شبه انتقالية، تمارس صلاحياتها منذ ما يزيد عن عام ونصف. ويصح وصفها بذلك لأنها تستدعي صفتها الانتقالية كلما تعلق الأمر بتبرير تأجيل استحقاق، أو تفسير عجز، أو تبرير عدم إنجاز مهمة بحجة أن الظروف الاستثنائية لا تسمح بذلك، لكنها، في المقابل، لا تتعامل مع نفسها بوصفها سلطة انتقالية عندما يتعلق الأمر بالحدود التي تفرضها هذه الصفة، ولا بالوظيفة التي أنيطت بها منذ اليوم الأول.

فالسلطة الانتقالية ليست سلطة دائمة تستمد شرعيتها من دستور مستقر وانتخابات عامة، وليست كذلك سلطة تأسيسية تمتلك حق إعادة تشكيل النظام السياسي وفق رؤيتها الخاصة، وإنما هي سلطة ائتمانية مؤقتة، تنحصر وظيفتها في إدارة الانتقال ذاته، وتهيئة الشروط السياسية والدستورية والمؤسسية التي تمكّن المجتمع من إنتاج سلطة دائمة ذات شرعية دستورية.

ومن هنا، فإن الخلل لا يبدأ من أداء السلطة وحده، بل من تصور المرحلة الانتقالية نفسه، ومن الطريقة التي أُديرت بها منذ سقوط النظام. والسؤال الأساس الذي ينبغي أن تُقاس عليه أي مرحلة انتقالية هو: ما المهام التي كان يجب أن تلتزم بها؟ ولماذا هذه المهام بالذات؟ وما الذي أُنجز منها أو خُطط فعلاً لإنجازه؟ وهل توجد، في الأصل، خطة معلنة للتحول الانتقالي، تحدد نقطة البداية، والمسار، والمراحل، والاستحقاقات، والغاية التي يفترض أن تنتهي إليها؟

ذلك أن الانتقال لا يصبح انتقالاً لمجرد إطلاق هذه الصفة عليه، ولا لمجرد إعلان فترة زمنية تسمى مرحلة انتقالية. فالانتقال السياسي عملية مقصودة لنقل البلاد من وضع استثنائي فاقد للشرعية الدستورية إلى وضع سياسي وقانوني مستقر، تكون فيه المؤسسات قائمة على قواعد معلنة، والسلطة خاضعة للمساءلة، ويصبح الشعب مصدر الشرعية، وتستمد السلطة مشروعيتها من الإرادة الشعبية وفق القواعد الدستورية.

وإعلان مدة زمنية للمرحلة الانتقالية، أربع سنوات أو خمساً، لا يكفي وحده لتعريفها أو الحكم عليها. فالمرحلة الانتقالية لا تُقاس بطولها، وإنما بوظيفتها. وهي لا تُمنح الوقت كي تبقى، وإنما تُمنح الوقت كي تُنجز.

فالمرحلة الانتقالية ليست مهلة زمنية تُمنح لسلطة، وإنما برنامج وطني معلن، له أهداف محددة، ومراحل متدرجة، واستحقاقات واضحة، تنقل البلاد خطوة بعد خطوة من حالة الانهيار إلى حالة الشرعية الدستورية المستقرة.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم سنة ستستغرق المرحلة الانتقالية؟ بل: هل أُنجز ما كان ينبغي إنجازه؟

فالمعيار ليس مرور الزمن، بل تنفيذ المهام التي لا تقوم المرحلة الانتقالية إلا من أجلها. فمن دون تحديد هذه المهام، لا يعود بالإمكان التمييز بين سلطة تدير مرحلة انتقالية، وسلطة تكتفي بإدارة واقع انتقالي مفتوح. ولهذا تتزاحم أسئلة مثل:

هل وُضعت خطة واضحة للعدالة الانتقالية وكشف الحقيقة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات؟

هل بدأت عملية حقيقية لإعادة بناء القضاء وضمان استقلاله؟

هل بدأ بناء مؤسسة عسكرية وأمنية وطنية ومهنية، يكون ولاؤها للدولة والقانون، لا لأي تنظيم أو جماعة أو ولاء خاص؟

هل فُتح المجال العام أمام السوريين لتأسيس أحزاب سياسية ونقابات مستقلة ومؤسسات مجتمع مدني؟

هل بدأ حوار وطني جاد يهدف إلى إنتاج توافق على المبادئ التي سيعيش السوريون في ظلها معاً؟

هل حُدد مسار دستوري واضح يبين من يكتب الدستور، وكيف يُختار، ومتى يُعرض على الشعب؟

وهل وُضعت خريطة طريق معلنة، بمراحلها واستحقاقاتها، تقود إلى قيام مؤسسات دستورية مستقرة تستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية؟

أما إذا غاب البرنامج، وغابت مراحله، ومعاييره، وجداوله الزمنية، فإن الزمن نفسه يفقد قيمته معياراً للحكم، لأن السنوات، طالت أم قصرت، لا تصنع انتقالاً إذا لم تكن محملة بمهام تنتهي بانتهائها. غير أن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فبدل أن ينصرف النقاش إلى تقييم المرحلة الانتقالية في ضوء هذه المعايير، اتجه في معظمه إلى قضية أخرى تماماً.

لكن معظم هذا النقاش لم ينصرف إلى القضية الأهم، وهي طبيعة المرحلة الانتقالية نفسها، بل تحول إلى سجال حول الأشخاص والقرارات اليومية، وتبادل للاتهامات والانطباعات، بينما بقي السؤال الجوهري غائباً عن النقاش إلا في حالات نادرة: هل صُممت المرحلة الانتقالية بطريقة تجعل نجاحها ممكناً أصلاً؟

فالتركيز على تصميم المرحلة لا يعني تجاهل الإخفاقات التنفيذية أو التقليل من آثارها في حياة الناس. فالتعيينات التي تقوم على الولاء، من دون مراعاة الحد الأدنى من التأهيل العلمي أو المهني، ليست مجرد أخطاء إدارية، بل مؤشرات تكشف الطريقة التي تُبنى بها مؤسسات الدولة، والمعايير التي تتحكم في إدارتها، وما إذا كانت السلطة تتجه فعلاً نحو إنشاء إدارة عامة مهنية ومحايدة، أم تعيد إنتاج منطق التنظيم داخل مؤسسات يفترض أن تكون وطنية.

غير أن الاقتصار على تعداد هذه الإخفاقات يدفع النقاش إلى سجال حول كل حالة منفردة: هل كان هذا التعيين صحيحاً؟ وهل كان ذلك القرار ضرورياً؟ وهل كانت الظروف تسمح بغيره؟ ولذلك، يصبح من الأجدى تجاوز التفاصيل، من دون إهمالها، إلى المعيار الذي يحكمها جميعاً: هل تقرّب هذه السياسات البلاد من أهداف المرحلة الانتقالية، أم تبني واقعاً سياسياً وإدارياً يزداد ابتعاداً عنها؟

فالمرحلة الانتقالية ليست حكومة مؤقتة تدير الشؤون اليومية حتى يحين موعد الانتخابات، وإنما هي أخطر المراحل التي تمر بها الدول الخارجة من الحروب والانهيارات الكبرى، لأنها المرحلة التي يُعاد فيها بناء الثقة قبل المؤسسات، ويُرمم فيها العقد الاجتماعي قبل النصوص الدستورية، ويُفتح فيها المجال العام قبل التنافس على السلطة، وتُعاد فيها صياغة العلاقة بين المجتمع والسلطة على أسس جديدة، بحيث تصبح الشرعية القادمة ثمرة هذا المسار كله، لا مجرد نتيجة لموازين فوق أرض ما تزال منقسمة ومثقوبة بالحرب. ولهذا السبب، لا يجوز أن تُدار المرحلة الانتقالية بمنطق السلطة الدائمة، ولا أن تُختزل في فريق واحد، لأن المهمة المطروحة ليست مجرد إدارة شؤون البلاد، بل قيادة عملية وطنية شديدة التعقيد، تتداخل فيها إعادة بناء المؤسسات السيادية مع إعادة بناء الثقة، وتتداخل فيها السياسة مع القانون، والاقتصاد مع الأمن، والمصالحة المجتمعية مع إعادة تأسيس المجال العام.

فالبلاد لا تواجه أزمة سياسية فحسب، بل انهياراً متزامناً أصاب المنظومة السياسية، والنسيج الاجتماعي الوطني، والثقة بالمؤسسات العامة، والإدارة العامة، والقضاء، والاقتصاد، والخدمات الأساسية، والتعليم، والعلاقات الخارجية. ولم يعد هناك ملف يمكن عزله عن بقية الملفات؛ فكل أزمة تغذي الأخرى، وكل تأخير في أحدها ينعكس على سائرها، في وقت تعاني فيه البلاد من محدودية الموارد، وضيق الوقت، وتعاظم الضغوط الإقليمية والدولية.

وإذا استثنينا التقدم الذي شهدته بعض ملفات السياسة الخارجية، وهو تقدم ارتبط بدرجة كبيرة بإعادة تموضع القوى الدولية والإقليمية في الجغرافيا الاستراتيجية السورية أكثر مما ارتبط بإعادة بناء الداخل السوري، فإن السؤال يبقى مشروعاً:

ما الذي أُنجز حتى الآن في المهام التي لا يستطيع إنجازها إلا مشروع انتقالي حقيقي؟ وما الخطة الموضوعة لإنجاز ما لم يُنجز؟ وهل توجد مثل هذه الخطة أصلاً، أم أن ما يجري هو إدارة يومية للواقع، تحت عنوان يستخدم فقط عند الحاجة “المرحلة الانتقالية”، من دون مسار انتقالي واضح يمكن للمجتمع أن يراه ويقيس تقدمه؟

ولكن من زاوية أخرى، عندما تُختزل إدارة هذه المرحلة في جهة واحدة، فإن هذه الجهة تصبح مسؤولة عن كل شيء، ولكنها لا تتحمل وحدها نتائج كل شيء، فالمجتمع يدفع بأسره ثمن أي نجاح أو إخفاق. وقد يبدو هذا، للوهلة الأولى، تعبيراً عن وحدة القرار، لكنه في الحقيقة يزيد هشاشة المرحلة، لأن تركيز المسؤولية في مركز واحد يعني بالضرورة تركيز الضغوط عليه.

ولا يتعلق الأمر هنا بسوء نية هذا الطرف الدولي أو ذاك، بل بطبيعة السياسة ذاتها. فالدول، عندما تتعامل مع الأزمات الكبرى، تبحث دائماً عن مركز واضح للقرار، وعن جهة واحدة يمكن مخاطبتها، والتفاوض معها، وممارسة الضغوط عليها لإجبارها على ما تلتزم به. ولذلك، كلما انحصر القرار الوطني في شخص، أو في دائرة ضيقة، أو في تنظيم واحد، أصبح التأثير فيه أقل كلفة على المجتمع، وأصبحت ممارسة الضغوط عليه أكثر سهولة. وما قد يبدو في الظاهر قوة بسبب وحدة القرار، قد يتحول في الواقع إلى أحد أهم مصادر ضعفه.

ويزداد هذا التعقيد في الحالة السورية لسبب إضافي، يتمثل في أن السلطة الحالية لا تتحرك في فراغ سياسي، بل تحمل معها إرثاً تنظيمياً وأيديولوجياً ما تزال آثاره حاضرة في نظرة قطاعات من السوريين وجزء من المجتمع الدولي إليها. وهي تواجه، في الوقت نفسه، ضغوطاً داخلية صادرة عن بيئات وتيارات ترى أن مقتضيات الانفتاح السياسي، أو بناء شراكة وطنية أوسع، أو الالتزام بالتفاهمات الدولية، تمثل تنازلاً عن ثوابتها.

وهكذا تجد السلطة نفسها مطالبة بإدارة ضغوط متعارضة، بعضها يدفعها نحو مزيد من الانفتاح والمشاركة، وبعضها الآخر يدفعها في الاتجاه المعاكس، الأمر الذي يجعل هامش المناورة أضيق، ويجعل الحاجة أشد إلحاحاً إلى إطار وطني أوسع يشارك في تحمل المسؤولية السياسية، بدل أن تبقى هذه المسؤولية مركزة في جهة واحدة، وأن يصبح كل انفتاح تنازلاً يقدمه تنظيم، وكل التزام دولي اختباراً لعقيدته، وكل قرار وطني مرهوناً بالتوازنات داخل بيئته الخاصة.

ومن هنا، فإن المشكلة لا تكمن في وجود سلطة انتقالية بحد ذاته، وإنما في اختزال المرحلة الانتقالية في هذه السلطة. فحين تُختزل المرحلة في السلطة، يصبح بقاء السلطة معياراً لنجاح المرحلة، بدل أن يكون نجاح المرحلة هو المعيار الذي تُقاس به السلطة.

لهذا يبرز سؤال عملي: إذا كان الخلل في اختزال المرحلة، فلماذا لا يقتصر الحل على توسيع الحكومة أو إدخال شخصيات جديدة إليها؟ لأن المشكلة لا تتعلق بحجم الجهاز التنفيذي، بل بالإطار الذي يقود المرحلة الانتقالية نفسها. فالحكومة، مهما اتسعت، تبقى جهازاً تنفيذياً يتولى إدارة الشؤون اليومية، أما هيئة الحكم الانتقالية فوظيفتها تحديد وضمان المسار السياسي للمرحلة الانتقالية، والإشراف على استحقاقاتها الكبرى، وضمان ألا تنفرد جهة واحدة بتحمل مسؤولية مستقبل البلاد.

ولهذا، فإن توسيع الحكومة قد يكون خطوة مفيدة، لكنه لا يغني عن وجود مرجعية وطنية أوسع تقود عملية الانتقال ذاتها. فالمشكلة، في حقيقتها، لا تتعلق بشكل الحكومة، ولا بعدد المشاركين فيها، بل بالإطار المؤسسي الأكثر قدرة على إنجاز المهمة التي وُجدت المرحلة الانتقالية من أجلها. فالمرحلة الانتقالية ليست مجرد إدارة مؤقتة لمؤسسات الدولة أو تسيير شؤونها اليومية، وليست مجرد فترة انتظار إلى حين إجراء انتخابات أو إقرار دستور جديد، بل هي لحظة تأسيسية هدفها إعادة بناء المجتمع السياسي السوري بعد سنوات الحرب والانقسام. إنها المرحلة التي يُفترض أن تعيد تأهيل السوريين للعيش المشترك، وأن تستعيد الثقة المفقودة بينهم، وأن تعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس وطنية ومهنية، وأن توحد أدوات القوة تحت سلطة قانونية واحدة، وأن تهيئ البيئة القانونية والأمنية والمؤسسية التي تجعل عودة اللاجئين، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، واستعادة ثقة المجتمعين السوري والدولي، أهدافاً قابلة للتحقق لا مجرد وعود سياسية. ومن هذا المنطلق تُطرح هيئة الحكم الانتقالية، لا بوصفها غاية في ذاتها، ولا لأنها الصيغة الوحيدة الممكنة، بل لأنها، في ضوء طبيعة المشكلة السورية، تبدو الإطار المؤسسي الأكثر قدرة على إنجاز هذه المهمة التاريخية.

ومن المهم توضيح أن الدعوة إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية اليوم لا تعني استبدال السلطة القائمة، ولا إقصاء أي طرف من الأطراف الموجودة في المشهد السوري، بل تقوم على افتراض أن هذه السلطة ستكون جزءاً من الإطار الوطني الأوسع الذي يتولى إدارة المرحلة الانتقالية. فسورية، في وضعها الراهن، لا تحتمل أي مستوى جديد من مستويات الصراع على السلطة، ولا تحتاج إلى فتح معركة جديدة حول من يحكم، بينما ما تزال تواجه تحدياً أكبر بكثير، هو كيفية إنجاز الانتقال نفسه. ولذلك، فإن المقصود ليس استبدال سلطة بأخرى، ولا إعادة توزيع النفوذ بين القوى المتنافسة، وإنما توسيع دائرة المسؤولية الوطنية عن إدارة المرحلة، بحيث تصبح هذه المهمة مشروعاً تشارك فيه السلطة القائمة إلى جانب شخصيات وطنية مستقلة وخبرات سياسية وإدارية قادرة على الإسهام في حمل أعباء هذا الانتقال.

ولهذا جاءت الدعوة، منذ البداية، إلى هيئة حكم انتقالية، لا بوصفها صيغة لتقاسم السلطة، أو توزيع المناصب، أو إنشاء سلطة موازية، وإنما بوصفها إطاراً وطنياً لتوزيع مسؤولية إدارة المرحلة الانتقالية.

ووظيفة هيئة الحكم الانتقالية ليست إدارة الوزارات والملفات التنفيذية اليومية، وإنما أن تكون المرجعية السياسية العليا للمرحلة الانتقالية، فتحدد وتضمن مسارها، وتقر برنامجها الوطني، وتشرف على تنفيذ استحقاقاتها الأساسية، وتضمن عدم استئثار أي طرف بتحديد مستقبل البلاد. أما إدارة الشؤون التنفيذية اليومية، فيمكن أن تتولاها حكومة تكنوقراط تُختار على أساس الكفاءة والخبرة والنزاهة، وتكون مسؤولة أمام الهيئة عن تنفيذ البرنامج الانتقالي، وتسيير الشؤون التنفيذية للدولة، من دون تحويل الوزارات وأجهزة الدولة إلى امتداد لتنظيم سياسي أو إلى مجال لتوزيع الولاءات والمكافآت.

وقد يطرح سؤال طبيعي: من يمثل مثل هذه الهيئة؟

في الدول المستقرة، تجيب الحياة السياسية نفسها عن هذا السؤال. فالأحزاب المنتخبة، والنقابات المستقلة، ومؤسسات المجتمع المدني، تنتج بصورة طبيعية قوى سياسية واجتماعية قادرة على تمثيل المجتمع. أما في سورية، فإن عقود الاستبداد، ثم سنوات الحرب، لم تترك مثل هذه البنية قائمة. فالحياة الحزبية تعرضت للتجريف، والنقابات فقدت استقلالها، ومؤسسات المجتمع المدني ما تزال محدودة الأثر، بينما استعادت الطوائف، والعشائر، والإثنيات، والفصائل المسلحة حضورها بوصفها تعبيراً عن واقع فرضته الحرب، لا بوصفها أساساً صالحاً لبناء الدولة.

ولهذا، فإن بناء هيئة الحكم الانتقالية على أي من هذه الانقسامات لن يؤدي إلا إلى تثبيتها ومنحها شرعية سياسية إضافية.

ومن هنا جاء اقتراح أن يُستفاد مؤقتاً من المحافظات بوصفها إطاراً عملياً للاختيار، لا أساساً لتمثيل مناطقي أو فئوي. فالمطلوب ليس أن يمثل كل عضو مصالح محافظته، ولا أن تتحول المحافظات إلى وحدات سياسية تتفاوض فيما بينها، وإنما أن يُختار من كل محافظة شخص وطني مشهود له بالكفاءة، والنزاهة، والخبرة السياسية أو الإدارية، وقادر على التفكير والعمل بوصفه ممثلاً للمصلحة السورية العامة.

فالمحافظة، في هذا التصور، ليست مصدر شرعية سياسية، ولا بديلاً عن الأحزاب أو المؤسسات المنتخبة، وإنما إطار إداري يوسع قاعدة الاختيار، ويحول دون حصر الهيئة في دائرة اجتماعية أو تنظيمية ضيقة، من دون اللجوء إلى المحاصصة الدينية أو المذهبية أو العرقية.

إنه حل استثنائي لظروف استثنائية، وينتهي بانتهاء المرحلة الانتقالية وقيام حياة سياسية طبيعية، وأحزاب وطنية، ونقابات مستقلة، ومؤسسات دستورية منتخبة تستند إلى قواعد تمثيل ديمقراطية.

لقد كشفت تجربة الأشهر السابقة أن أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي مرحلة انتقالية ليس فقط الخلط بين حدود السلطة الانتقالية وحدود السلطة الدائمة، وإنما أيضاً في تحول المرحلة الانتقالية نفسها إلى وضع سياسي مفتوح، لا يعرف المجتمع بدايته من نهايته، ولا يملك معايير واضحة لقياس تقدمه أو مساءلة القائمين عليه. ولهذا، فإن نجاح المرحلة الانتقالية لا يُقاس باستمرارها، بل بقدرتها على الاقتراب، خطوة بعد خطوة، من لحظة تصبح فيها غير ضرورية.

فالسلطة الانتقالية لا تُقاس بطول بقائها، ولا باتساع صلاحياتها، وإنما بمدى نجاحها في إنجاز المهمة التي أنشئت من أجلها، وهي تهيئة البلاد تدريجاً للانتقال إلى شرعية دستورية مستقرة تجعل استمرارها غير ضروري.

ولهذا، فإن السؤال الذي بدأ به هذا المقال لا يزال قائماً، بل لعله أصبح اليوم أكثر إلحاحاً مما كان عليه قبل قرابة عام ونصف:

هل ما زالت سورية بحاجة إلى هيئة حكم انتقالية؟

تفرض الوقائع، حتى الآن، جواباً لا يبدو مختلفاً: نعم.

ليس لأن الزمن يمكن أن يعود إلى الوراء، ولا لأن المطلوب إعادة توزيع السلطة بين أطراف متنافسة، بل لأن الانتقال الحقيقي لا يتحقق باحتكار إدارة المرحلة، بل بتوسيع المشاركة في تحمل مسؤوليتها، ولا بقيام سلطة أقوى، بل بقيام عملية انتقال أكثر رسوخاً، ولا بتركيز القرار في يد جهة واحدة، بل ببناء إطار وطني يجعل حماية القرار الوطني مسؤولية الجميع.

وإذا كان تشكيل هيئة حكم انتقالية اليوم لم يعد ممكناً بالصيغة التي كان يمكن أن يُطرح بها في الأيام الأولى بعد سقوط النظام، فإن ذلك لا يعني أن الفكرة فقدت مبرراتها، بل يعني أن الحاجة إليها أصبحت تُقاس بقدرتها على تصحيح مسار المرحلة، لا بالعودة إلى نقطة البداية. فما زال بالإمكان توسيع الإطار الذي تُدار من خلاله المرحلة الانتقالية، وإشراك شخصيات وطنية مستقلة، وخبرات سياسية وإدارية، في تحمل مسؤولية القرارات المصيرية، من دون هدم ما قام، ومن دون إدخال البلاد في صراع جديد على السلطة.

فالغاية ليست إنشاء سلطة جديدة في مواجهة السلطة القائمة، ولا إعادة هندسة موازين القوة، وإنما الانتقال من احتكار إدارة المرحلة إلى توسيع المسؤولية الوطنية عن إدارتها. وهذا الانتقال، إن تحقق، لن يكون تنازلاً من أحد، بل استثماراً في استقرار البلاد، وتوسيعاً لقاعدتها السياسية، وتعزيزاً لقدرتها على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية معاً.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مرحلة انتقالية هو أن تفقد صفتها الانتقالية، فتتحول تدريجياً إلى وضع سياسي قائم بذاته، فعندئذٍ، يصبح استمرار المرحلة غاية ضمنية، بدل أن يكون إنهاؤها بإنجاز مهامها هو الغاية التي وُجدت من أجلها.

فالمرحلة الانتقالية ليست نظاماً سياسياً بديلاً، ولا صيغة حكم طويلة الأمد، وإنما هي في الحالة السورية جسر مؤقت بين انهيار شرعية فاسدة وولادة شرعية جديدة وأصيلة. وكلما طال البقاء على هذا الجسر من دون تقدم واضح نحو الضفة الأخرى، ازداد خطر أن يتحول الانتقال نفسه إلى عائق أمام اكتمال عملية الانتقال، بدل أن يكون الوسيلة التي تقود إليها.

فما تحتاجه سورية اليوم ليس مجرد سلطة تنظيم تدير المرحلة الانتقالية بعقلية الفرصة، بل مرحلة انتقالية تُدار بمنطق الدولة، لا بعقل التنظيم، وبمنطق الشراكة الوطنية، لا بمنطق الغلبة، وبهدف واضح هو الوصول إلى سلطة ذات شرعية دستورية مستقرة، لا الاكتفاء بإطالة أمد واقع انتقالي مفتوح على المجهول.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني