سورية تبني قوتها.. بينما يعيد العالم رسم خرائطه الاستراتيجية

0 24

لا يكتب التاريخ في ساحات القتال وحدها، بل يكتب أيضاً في قاعات التخطيط، وفي الأكاديميات العسكرية، وفي مراكز صناعة القرار، وفي قدرة الدول على استشراف المستقبل قبل أن يفرض نفسه عليها، فالحروب مهما كانت قاسية ليست سوى مرحلة عابرة في عمر الأمم، أما ما يبقى فهو ما استطاعت الدول أن تبنيه خلال تلك المرحلة من مؤسسات، وكفاءات، وعلاقات، ورؤية استراتيجية قادرة على تحويل التحديات إلى فرص.

ولعل هذه الحقيقة هي ما يفسر اختلاف مسارات الدول في زمن الأزمات؛ فهناك من يستنزف كامل طاقته في إدارة الصراع، وهناك من يستثمر زمن الصراع في بناء القوة التي ستضمن له مكاناً أفضل عندما تهدأ العواصف.

ومن هنا يمكن فهم المسار الذي تتبعه سوريا اليوم، وهي تعيد بناء مؤسساتها العسكرية والمدنية بهدوء وثقة، بالتوازي مع صياغة سياسة خارجية متوازنة تراعي مصالحها الوطنية بعيداً عن الانجرار إلى محاور الصراع الإقليمي والدولي.

إن إعادة بناء القوات المسلحة ليست مجرد عملية تعويض لما فقدته سنوات الحرب، وإنما هي عملية تأسيس لجيش أكثر احترافاً، وأكثر قدرة على التعامل مع طبيعة التهديدات الحديثة. فالحروب لم تعد تعتمد فقط على التفوق العددي أو كثافة النيران، بل أصبحت تقوم على التكنولوجيا، والقدرة الاستخباراتية، والقيادة المرنة، وسرعة اتخاذ القرار، والتكامل بين مختلف صنوف القوات.

ومن هنا تأتي أهمية تخريج الكوادر العسكرية المؤهلة، لأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، فالجندي والضابط اللذان يمتلكان المعرفة والانضباط والعقيدة المهنية يمثلان رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة عسكرية ناجحة.

أما السلاح، مهما بلغت قيمته، فلن يكون مؤثراً إذا لم يكن في يد كوادر قادرة على استخدامه بكفاءة واحتراف.

ولا يقل بناء الإنسان أهمية عن بناء المؤسسة العسكرية، فالدولة الحديثة لا تقوم على الأمن العسكري وحده، وإنما على منظومة متكاملة تشمل التعليم، والإدارة، والاقتصاد، والعدالة، والتنمية، والإدارة الرشيدة.

‏وكلما ازدادت كفاءة هذه المنظومة، ازدادت قدرة الدولة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

وفي موازاة هذا البناء الداخلي، تبدو السياسة الخارجية السورية أكثر ميلاً إلى الواقعية السياسية، القائمة على تنويع العلاقات والانفتاح على مختلف الأطراف، دون الارتهان لمحور واحد أو الدخول في سياسة الاستقطاب الحاد التي دفعت دولاً كثيرة أثماناً باهظة بسببها.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن التحالفات ليست ثابتة، وأن المصالح هي التي تحكم العلاقات بين الدول.

فما كان يُعد حليفاً دائماً قبل سنوات قد يصبح منافساً، وما كان يُنظر إليه كخصم قد يتحول إلى شريك وفقاً لتغير الظروف الدولية.

ولذلك فإن الحفاظ على استقلال القرار الوطني، مع بناء شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية، يمثل أحد أهم عناصر الأمن الاستراتيجي لأي دولة.

وتزداد أهمية هذه المقاربة إذا نظرنا إلى البيئة الدولية التي تتحرك فيها المنطقة اليوم.

فالشرق الأوسط يعيش مرحلة تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين.

فالتوتر المستمر بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد مجرد خلاف سياسي أو أمني، بل أصبح عاملاً مؤثراً في أمن الطاقة العالمي، وفي حركة التجارة الدولية، وفي حسابات القوى الكبرى.

وكلما ارتفع مستوى التصعيد، عادت المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.

إن مجرد التلويح بإمكانية تعطيل الملاحة في هذا المضيق يكفي لإحداث اضطراب في أسواق الطاقة، ورفع تكاليف النقل والتأمين، وإثارة مخاوف المستثمرين.

ولذلك فإن أمن هذا الممر لم يعد شأناً إقليمياً فحسب، بل أصبح قضية ترتبط مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي.

وفي الجهة الأخرى، لا تزال الحرب الروسية الأوكرانية تشكل أحد أهم التحديات التي تواجه النظام الدولي.

فهذه الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل تحولت إلى صراع استراتيجي طويل الأمد ترك آثاراً واضحة على الاقتصاد العالمي، وسلاسل الإمداد، وأسواق الطاقة والغذاء، وأعاد إلى الواجهة سباق التسلح ورفع الإنفاق الدفاعي في العديد من الدول.

كما أن استمرار الهجمات المتبادلة على بعض منشآت الطاقة والبنية التحتية يعكس اتجاهاً جديداً في الحروب الحديثة، حيث أصبحت الموارد الاقتصادية جزءاً من ميدان الصراع، ولم تعد خطوط المواجهة تقتصر على الجبهات العسكرية التقليدية.

وفي الوقت نفسه، يشهد العالم إعادة تموضع للقوى الكبرى، ومحاولات لإعادة رسم شبكة التحالفات بما يتلاءم مع الواقع الجديد. وتتابع دول المنطقة باهتمام اجتماعات القوى الدولية والتحالفات الأمنية، لأنها تدرك أن أي تغير في بنية النظام الدولي ستكون له انعكاسات مباشرة على الشرق الأوسط، سواء في المجال الأمني أو الاقتصادي أو السياسي.

وسط هذه التحولات، تبدو الحكمة السياسية في تجنب تحويل الدولة إلى طرف دائم في صراعات الآخرين، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بقدرة دفاعية عالية، وبمرونة سياسية تسمح بالتعامل مع مختلف السيناريوهات المحتملة.

وهذا ما يجعل بناء القوة الوطنية الشاملة أكثر أهمية من الانشغال بردود الأفعال اليومية، فالقوة لا تعني امتلاك السلاح فقط، بل تعني أيضاً وجود اقتصاد قادر على الصمود، ومؤسسات تعمل بكفاءة، وقضاء يحمي الحقوق، وتعليم يصنع الكفاءات، وإدارة تمتلك القدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

لقد أثبت التاريخ أن الدول التي خرجت أكثر قوة بعد الحروب لم تكن بالضرورة تلك التي امتلكت أكبر الجيوش، وإنما تلك التي أحسنت استثمار سنوات الأزمات في إعادة بناء الإنسان، وتطوير مؤسساتها، وتعزيز وحدتها الوطنية فالحروب قد تفرض على الدول تحديات قاسية، لكنها تمنحها أيضاً فرصة لإعادة النظر في أولوياتها، وتصحيح مساراتها، وبناء نموذج أكثر قدرة على الاستمرار.

ومن هذا المنطلق، فإن ما تقوم به سوريا اليوم لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره استجابة لظروف آنية، بل باعتباره مشروعاً استراتيجياً طويل المدى، يقوم على إعادة بناء عناصر القوة الوطنية بصورة متوازنة.

فإعادة تأهيل القوات المسلحة، وتطوير مؤسسات الدولة، والانفتاح السياسي المدروس، والاستثمار في الإنسان، ليست ملفات منفصلة، وإنما حلقات في مشروع وطني واحد هدفه بناء دولة مستقرة وقادرة على حماية مصالحها في بيئة دولية شديدة التعقيد.

إن النظام الدولي يقف اليوم أمام مرحلة انتقالية قد تستمر سنوات قبل أن تستقر ملامحها النهائية.

وخلال هذه المرحلة ستتغير موازين القوى، وستظهر تحالفات جديدة، وستتبدل أولويات كثير من الدول، وأما الدول التي تستثمر هذا الوقت في بناء قدراتها الذاتية، فإنها ستكون الأكثر قدرة على التأثير في مستقبل المنطقة، لا الاكتفاء بالتأثر بما يقرره الآخرون.

لقد أثبتت التجارب أن الدول التي تنشغل ببناء نفسها أثناء العواصف، هي التي تخرج منها أكثر تماسكاً، وأكثر قدرة على حماية مصالحها، وأكثر استعداداً لصناعة مستقبلها بقرارها الوطني المستقل.

ولهذا، فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس على معرفة متى ستنتهي الأزمات الدولية، بل على ما الذي سنكون قد أنجزناه عندما تنتهي.

فالعالم يعيد رسم خرائطه الاستراتيجية، أما الدول الحكيمة فهي تعيد، في الوقت ذاته، بناء عناصر قوتها الشاملة.

ومن ينجح في هذا البناء اليوم، سيكون الأقدر على حماية سيادته وصناعة مستقبله غداً.

والدول التي تبني نفسها في زمن العواصف، هي وحدها القادرة على قيادة مستقبلها عندما تهدأ الرياح.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني