بتول

0 24

ولا نحتاج لأي إضافة فالاسم صار الترند الأول في سوريا وبدون أي مبالغة فهناك على وسائل التواصل هذا الأسبوع أكثر من مائة ألف تعليق ومقال وشريط مصور حول بتول.

القصة بتفاصيلها الواقعية تحصل كل يوم فمن الممكن أن تختلف الفتاة مع أهلها، وتقرر مغادرة المنزل إلى منزل صديقة، وقد يكون ذلك بسبب قناعات دينية أو ضغط نفسي أو أي سبب آخر، خاصة أن الفتاة ظهرت في شريط في حي مجاور لبيت أهلها، ثم التقت بأهلها في دائرة الشرطة، ولم تنجح الشرطة في حل الخلاف الأسري، وأصرت البنت على موقفها وهي بالغة راشدة.

تحصل هذه القصة كل يوم، وقد تنشرها بعض الصحف في زاوية مشاكل الأسرة، وفي كثير من الأحيان لن تجد من يتطوع لنشرها، حيث تنتهي هذه المشاكل ببساطة بعد أسابيع عن طريق تدخل الأصدقاء، أو تغير الظروف العائلية.

ولو حصل أن فتاة بالغة راشدة من عائلة محافظة أرادت نزع حجابها فاصطدمت بأهلها ثم اختارت في لحظة غضب فراقهم وانتقلت للعيش مع صديقة لها في حي مجاور، وسجلت شريطاً تقول فيه إنها وجدت حريتها وباتت تسمح لشعرها أن يلامس الهواء وأن تفرح بجمالها، فسيكون الحدث عادياً ويمر مرور الكرام.

ولكن ما يجري في سوريا اليوم هو انقسام عمودي مخيف، فكل حدث يمكن أن يكتب درامياً بشكل مرعب، ويخدم سردية الخوف، مع أنه لا يتجاوز مشاكل الأسرة في أبواب مغلقة وهموم مفرقة!

بعضهم اعتبرها عملية ممنهجة تقوم بها الدولة السورية لسبي مليونين امرأة، وأعلن الدعوة إلى قطيعة أبدية، ودعا النساء للتسلح خوفاً من الاختطاف، وحتى لا تصير النساء إماء وجواري!

وقد أسهمت هذه السردية في نشر الخوف في المجتمع، وتعزيز فكرة الهرب من البلد وتحولت الحياة لدى عشرات الآلاف من العوائل السورية إلى قلق وخوف، مع أن الفتاة ظهرت في عافية وصحة ونشاط، بحضور عدد من وسائل الإعلام الحرة.

لا أعتقد ان تهويل هذا الأمر يستند إلى مخاوف موضوعية، وأنا لا أنكر المظالم التي تتعرض لها الطوائف من المتعصبين، وقد كتبت في ذلك كلاماً قوياً ضد شخصيات نافذة في السلطة، ويعلم الله ما لقينا من المتعصبين، ولكنني في هذه الحادثة لا أجد سبباً لهذا الهياج والغضب، وأعتقد أنها قصة مفهومة وسهلة، وستنتهي خلال أسابيع، وكلنا أمل أن تعود الفتاة إلى أهلها وتوقف سيل التراشق والتشاتم الذي اندلع كبركان بلا معنى.

ولكن سهولة القصة وعفويتها لا تبرئ بعض السلوكيات المتربصة بالاستقرار والأمان في سوريا، وهناك بالفعل طرفان متوتران:

طرف غاضب يعتبر أن ما جرى هو سبي واختطاف، وحمل القضية على تصورات غير واقعية، وأدخل الذعر والرعب في حياة الناس البسطاء في هذا الساحل الجميل، وهو خوف لا مبرر له مطلقاً في هذه الحكاية.

وطرف آخر ينفخ في كير هذه الفتنة ويعتبر أن خروج البنت من أسرة إلى أسرة هو لون من الجهاد، وأنها انتقلت من الكفر إلى الإيمان، وأنها تمارس ما مارسه الصحابة من قبل تحت سياط المشركين، ويطلق الفتاوى بتحريم تدخل الدولة لرأب الصدع في الأسرة، وتحريم عودة البنت إلى أهلها، وراح يشجع البنات على سلوك مشابه وهو بكل تأكيد موقف تدميري لهذه المجتمعات البسيطة الضعيفة.

إن الحكم بالردة والكفر ضد جزء من الشعب السوري أمر خطير، خاصة أن الكفر كما يفهمه هؤلاء ليس موقفاً فكرياً مختلفاً حسابه على الله، بل هو في الواقع تهديد وجودي، ولو سألت هذا الذي يفتي بردة الناس بعد فتواه مباشرة: ما حكم المرتد؟ فالجواب واحد عند هؤلاء وهو القتل!! وهذا أمر يهدد السلم الأهلي والمجتمع بأسره.

إنني آمل أن تقوم الدولة بواجبها الأساسي في حماية الناس، وأن تحاسب كل فتوى تستسهل دماء المواطنين، وأن ترفض عبر كل مؤسساتها الحقوقية والدينية بإصرار وحزم كل موقف يميز بين الناس على أساس دينهم، فكيف إذا كان يوزعهم بين دار إسلام ودار كفر؟؟.

ليس في سوريا دار كفر، كل هذا التراب النبيل من عين ديوار إلى القنيطرة هو تراب نبيل عاش فيه التنوع والاختلاف قروناً طويلة، تحت شعار جليل من كلام رسول الله وهو خير من كل كلامنا وأحكم وأنقى وأرقى: الخلق كلهم عيال الله وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله.

اتقوا الله في سوريا، واكتبوا ما يجعل الناس يحب بعضها بعضاً، فليس هناك أحد مهدد في وجوده..

المتطرفون فقط يمارسون نشر الخوف والتحفز للحروب القادمة، وكلنا نعاني منهم، وكلنا شركاء في مواجهتهم، وهذا قدر الحياة في هذا الشرق التعيس إلى الأبد.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني