
فرط نشاط… حين يُساء قراءة الحرية
ما يجري اليوم في سوريا لا يمكن قراءته بوصفه لحظة حرية مكتملة ولا يصح التعامل معه كمنجز نهائي طال انتظاره لعقود. ما نشهده في جوهره أقرب إلى فرط نشاط اجتماعي وسياسي ناتج عن عقود طويلة من القمع والصمت الإجباري.
تكمن خطورة المشهد في عنونته (الحرية) التي تمنحه حصانة أخلاقية وربما قانونية، تمسي معها أية محاولة للضبط أو التنظيم تهمة جاهزة تحت مسمى تقييد الحريات أو الحنين للاستبداد. وهنا تقع المفارقة الأكبر حيث يلغى النقاش حول ممارسة الحرية باسم الحرية نفسها.
الحرية ليست في كثرة الأصوات أو في ارتفاع حدتها ولا في سباق المنصّات على كسر المحرّمات وهي ليست في تحويل الرأي إلى صراخ ولا الاختلاف إلى شتيمة ولا الجرأة إلى فوضى لغوية وأخلاقية.
الحرية في معناها السياسي العميق هي تنظيم الاختلاف وإدارة التعدّد وحماية المجال العام من التحوّل إلى ساحة استنزاف دائم.
إن الخلط بين الحيوية والفوضى، وبين كسر الصمت وبناء الوعي لا يبرر بالقول إن ما يحدث أمر طبيعي في لحظات التحول وأن المجتمعات تفرغ ما بداخلها.
الحرية مسؤولية ناضجة قبل أن تكون حقاً، وهي فعل بناء طويل النفس. ومن دون هذا الفهم تتحوّل الحرية إلى عبء على نفسها وعلى المجتمع وتمسي سبباً في إضعاف ما يُفترض أنها تقويه وتحميه، ألا وهو الدولة والتعايش المشترك وإنتاج وعي عام قابل للاستمرار.
والأخطر في المشهد الراهن ليس فرط النشاط بحد ذاته بل التعامل معه بوصفه غاية نهائية. فحين يُقدَّم هذا الضجيج على أنه ذروة الحرية، يصبح أي حديث عن التنظيم أو القواعد أو أخلاقيات النقاش وكأنه مشروع قمع للحريات.
إن فرط النشاط غير المنضبط قد ينقلب إلى فوضى، والفوضى لا تبني دولة ولا تحمي ثورة ولا تُنتج وعياً. وما تحتاجه سوريا اليوم هو إعادة تعريف الحرية بوصفها وسيلة لا غاية وضرورة التمييز بين الحق في التعبير وواجب الحفاظ على الحد الأدنى من المعنى والدلالة.
نعم نحن في مرحلة انتقالية وهذا توصيف دقيق… لكن المرحلة الانتقالية لا تكون جسراً للعبور إلى الدولة الناجحة إلا إذا أُديرت بوعي عالٍ لمخاطرها.
أما إذا تم اعتبار الضجيج دليل صحة، فإننا لا نتقدم إلى الأمام بل ندور حول أنفسنا بأفق ضيق وربما تكون التكلفة أعلى مما نتصور.