انقلاب

0 10

خرج الطبيب من غرفة العمليات متجهماً، وأسرع إلى مكتبه؛ فتوجّست شرّاً ولحقت به، دخلت… رأيته يجلس ويجمع جمجمته بكفّيه مستنداً بكوعيه على الطاولة. أخبرني يا دكتور: ماذا حصل؟ هل نجحت… فقاطعني: أرجو أن تجلس، لقد قمنا بواجبنا، وبما نستطيع، وما يمليه الضمير، عملنا اللازم، وإرادة الله هي النافذة…

غامت الدنيا…، صار شبحاً وسط دخان، لم أعد أسمعه، فقط ألمح شفتيه تتحركان. رجعت القهقرى عندما انهار والدي وحملته مسرعاً إلى العيادة. تذكرت ابتسامته حين استقبلنا بوجه مشرق، سيكون بخير، قد يحتاج إلى تدخّل جراحي، وفي ورقة سجّلَ التحاليل والصور المطلوبة، ونفذناها، وجئته بها؛ فقرّر دخوله إلى مشفى خاص. أنا موظف بسيط لا أستطيع تحمّل التكاليف الباهظة، والمشافي الوطنية كثيرة. ابتسم.. كان هذا سابقاً، يا أخي، القطّاع الصحي لحق بغيره، إنّه في طريق الخصخصة عدا أن أدواته قديمة، وأشك في تعقيمها.

المصارف لا تقرض الفقراء. اشتركت مع الأصدقاء في جمعية شهرية، واستثنوني من انتخاب الأدوار محبة بمساعدتي، وبعد جهد وعناء حجزت موعداً، واقتدته بيدي إلى حتفه…

رفع رأسه ونطقها متمهلاً كقاضٍ يصدر حكماً: العملية كإجراء كانت موفقة، لكنّ جسده ضعيف لم يحتمل…، والقدر غلّاب ولا مرد له، سنزوّدك بإشعار الوفاة لتتمكن من إخراج الجثمان اليوم أو غداً. كلماته رصاصات اخترقت دماغي.. نثرت خلاياه في الأنحاء، والعقل تشتّت، فكرت أن أنقضَّ عليه.. أستلبَ روحه وأستلها من بين جنبيه.. أشقّ صدره وأنتزع قلبه، وأدوسه برجلي، وأجعله عبرة لمن يعتبر. وقفت.. هممت بالاقتراب منه.. لمع شعاع ضوء.. وقف أبي بقامته أمامي.. رفع سبابته في وجهي: إياك…!، ما ربيتك لتصبح قاتلاً، ما نويته لن ينفعك، كن إنساناً لطيفاً، احذر يا ولدي، لمن ستترك أسرتك؟ أترغب في ضياعها، إزهاق روح جريمة لا تغتفر، والحساب ليس الآن…، سكب بكلماته عليّ ماءً بارداً؛ فأيقظ رشدي وهدأت فورة الغضب، وشعرت بطمأنينة. نظرت إليه.. بدا كطفل رسب في صفه. قلت: ألا من تعويض؟ ردّ سأحاول مع الإدارة، وكانت الإجابة بالنفي، دونك القضاء، ونمهلك حتى المساء لاستلام الجثة؛ فجن جنوني، يا أولاد.. وشعّ النور ثانية.. تمالكت…، ونظرت إلى السقف، أمهلوني يوماً على الأقل لأتدبّر مصاريف العزاء والمقبرة.. سمعته يهمس في أذني: يا بني، أولادك أحق…، وأنا… فكررتها خلفه دونما تفكير: لا تنسوا الجامعة أتبرع بها لطلاب الطب…

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني