
خدعني.. ظننته صادقاً..، ولم أكتشف أنّه يجيد التمثيل. سنتان مضتا وأنا أشاركه العمل في مكتبين متجاورين، بدا شاباً مفعماً بالنشاط والعمل الإنساني، متفانياً في خدمة الآخرين. تناولنا هموم الحياة من خلال جلسات في أوقات الراحة، اطمأنيت له وما أخفيت شيئاً عنه، حدثته عن فقرنا والعنت الذي عانينا منه كثيراً بعد أن توفي والدي إثر حادث مؤسف وانتقالنا إلى المدينة، وعن معاناة والدتي (لفّاية) في تنظيف البيوت نهاراً، وسهر الليالي تحيك كنزات الصوف لمن يريد، وشظف العيش ومساعدتها بجلي الصحون والحلل بعد موائد الموسرين العامرة، وتحرش صبيانهم بي؛ لتدفع أجرة شقة صغيرة في قبو لا تدخلها الشمس، وعن مرض الربو المزمن منذ سنوات، ومعونات المدرسة، وهبات المحسنين لتأمين الكتب المدرسية والقرطاسية حتى انهيت المرحلة الثانوية، والتحقت بالوظيفة ومتابعة دراستي الجامعية. وحكى لي عن أسرته ومحتده الأرستقراطي، والأطيان والدور التي يمتلكونها، وعن والدته التي تذكّره بحسبه ونسبه، وعظمة أجداده، وعن إعجابه بي ومشاعره نحوي، ولست أدري كيف صدقته، ولامست كلماته الرقيقة أحاسيسي؛ فخفق القلب وسرى الدم حاراً في الشرايين، وراح يوصلني إلى البيت، وتعرّف على أمّي. ارتاحت له بحذر أبدته لي، ولمّا دعاني لزيارة والدته رافقته، وتقصّدت أن نذهب سيراً على الأقدام. اشتريت لها طاقة زهور وفي رأسي تدور أسئلة شتى: تُرى كيف ستجدني؟ هل تعجب بي أم تنفر من أول نظرة؟ أتتقبلني فرداً في أسرتها ذات العراقة؟ مشينا في شارع مبلّط بأحجار بازلتية تنم عن زهو الماضي، وعندما قرع الجرس انفتح الباب عن امرأة في العقد السادس على وجهها آثار شباب ذوى، وفي عينيها الزرقاوين شعاع يبحث عن استفسارات وأجوبة. دخلنا صحن الدار العابق برائحة النارنج والياسمين، رحّبت بنا وسبقتنا إلى صالة زُيّن صدرها بصور رجالات شرعت تعددهم إلى أن أشارت هذا أبو ياسر، عشت معه عزيزة مكرّمة أكثر من ثلاثين عاماً، وقالت: تفضلي بالجلوس، ومضت متمهلة كطاووس. أثار فضولي طلاء الجدران الباهت، وأقمشة الأرائك المترّبة، وسجادة تقصّ ألوانها سنوات عمر مديد. شعرت أنّي في متحف لم يزره أحد منذ عقود، وبغمامة رمادية حجبت جمال ما تبقى من النقوش المرسومة على الأثاث..، لم يطل الوقت فما إن ارتشفت القهوة غادرت ولم أكرّرها حتى جئت بيتها كنّة لها. طلب يدي، واشترطت والدتي عشر ليرات معجلاً، ومئة ألف ليرة مؤجلاً..، وحفلة عرس يحضرها المقربون من الأهل والأصدقاء.
أكلت المقلب، فمنذ الأشهر الأولى صرت وحماتي صديقتين لدودتين، تتدخل فيما لا يعنيها، همست في أذن ياسر دعها تتركنا نعيش أيامنا كما نبتغي فزجرني، وازداد تنمّرها، وتمادت على مرتبي، صمتُّ في البداية، وتوجّست في نواياها المتوارية خلف لطافة مظهرها إلى أن فضحتها عجرفتها. بحثت عن أملاكهم خفية؛ فإذا بها مباعة منذ جدّه وأبيه، ولم يتبقَّ منها إلّا ما يسمونه قصراً. علمت من إحدى جاراتنا أنّهم رهنوه قبل زواجي لأحد أقربائهم “فـلعب الفأر في عبي” وسألته.. فأنكر وتهدّدني إن أعدت السؤال ثانية.. سمعت أمّه الكلام فأقبلت توبخني، إيّاكِ أن تتفوهي بحرف عن ذلك بعد الآن. تركتهم وقبعت في غرفة النوم، استذكرت حذر والدتي، وذلاقة لسانه التي أعمت بصيرتي، وتفاخر أمّه، وتعاليها واستخفافها بي: “ما الذي أعجبك بها؟ فلّاحة، ابنة ريف متى تتعلم؟” وهما يتسامران وأنا أعدّ فطائر الزعتر والجبنة مساء يوم تداعب نسماته أوراق شجرة النارنج، فقررت من ساعتها أن أدافع عن نفسي. احتفظت بالمرتب فشتمتني واستشاط ابنها غضباً ودفعني بقوة فارتطمت بالطاولة وسقطت أرضاً. شُجّ رأسي، وغامت دنياي ولم أعِ عمّا حولي إلّا في المشفى. فتحت عينيّ.. كان الطبيب يقف جانب السرير، والخراطيم موصولة بذراعيّ، وألم مغص حاد أسفل معدتي، وضع يده على جبيني، لا تتحركي، ابقي ساكنة. وهو يقيس ضغط دمي، حمداً لله على السلامة، وعوّضك عن الجنين بأفضل منه، ثم جاءت الشرطة وسجلت أقوالي واحتفظت بحق الادعاء..
عُقدت المحكمة. شرحت للقاضي كلّ شيء بالتفاصيل..، وطالبت بالتفريق، وبالقصاص العادل منهما، مؤكدة أنّهما سبب إسقاط جنيني وفقدي بسمة الفرح التي كنت أنتظرها بولادته وضمه..، وبعد جلسات ومداولات عديدة ومرافعات المحامين كان لشرف الذكورة حضوره المكثّف إذ صدر الحكم مخففاً بالسجن، وبغرامة، وبدفع المستحقات القانونية..
شحب وجه الأم.. تلألأت قطرات في مآقيها.. تراقصت ونزّت من بين أهدابها راسمة خطاً على حمرة خديها يفضح سخطاً أو – ربما – ندماً مكبوتاً في أعماقها؛ بينما كانت إبهامي تضغط بقوة على أصابع قبضتي!، ونشوة فرح الانعتاق تزغرد في حناياي!..