
من يستطيع تحويل القوة إلى انتصار؟
لم تكن الحروب الكبرى عبر التاريخ مجرد مواجهات عسكرية تنتهي بتوقف إطلاق النار، بل كانت في كثير من الأحيان نقاط تحول تعيد تشكيل موازين القوى، وتفرض قواعد جديدة للعلاقات الدولية.
ومن هذه الزاوية تحديداً ينبغي قراءة المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران؛ فهي لا تبدو مجرد جولة جديدة من الصراع الطويل بين واشنطن وطهران، بل تحمل مؤشرات على تحول أعمق يتعلق بمستقبل الشرق الأوسط وطبيعة الدور الأمريكي فيه.
فالسؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من انتصر في هذه الجولة؟
أو ما حجم الخسائر التي لحقت بهذا الطرف أو ذاك؟
بل السؤال الأوسع والأكثر أهمية: هل انتقلت الولايات المتحدة من سياسة إدارة أزمات الشرق الأوسط إلى سياسة إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية التي أنتجت تلك الأزمات؟
هذا السؤال يكتسب أهميته من طبيعة الأحداث التي رافقت الحرب على إيران، وخاصة ما ارتبط بمضيق هرمز، ذلك الشريان البحري الذي تتجاوز أهميته حدود الخليج العربي إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
فعندما تصبح حركة الملاحة في هذا الممر الاستراتيجي مهددة، فإن القضية لا تعود مجرد خلاف بين دولتين، بل تتحول إلى مسألة تتعلق بأمن الطاقة العالمي، واستقرار الأسواق، وقدرة النظام الدولي على حماية طرق التجارة الحيوية.
لقد أثبتت أزمة هرمز مرة أخرى أن الجغرافيا لا تزال لاعباً أساسياً في السياسة الدولية، مهما بلغت التكنولوجيا العسكرية من تطور، فالصواريخ والطائرات والأساطيل قد تغير شكل المعارك، لكنها لا تلغي حقيقة أن بعض المواقع الجغرافية تمتلك تأثيراً يفوق حجمها بكثير.
إن مضيق هرمز واحد من هذه المواقع التي تجعل أي اضطراب فيه قضية عالمية وليست إقليمية فقط.
ومن هنا يمكن فهم التحول في طريقة تعاطي الولايات المتحدة مع المنطقة.
فخلال العقود الماضية، اعتمدت واشنطن بدرجات مختلفة سياسة تقوم على احتواء الأزمات، ومنع أي قوة إقليمية من فرض هيمنة كاملة، مع الحفاظ على هامش من التوازن بين القوى المتنافسة.
إلا أن التحولات الأخيرة تشير إلى أن هذه المقاربة ربما بدأت تتغير، باتجاه رؤية أكثر شمولاً تقوم على إعادة ترتيب قواعد الأمن الإقليمي، وليس فقط التعامل مع نتائج الانفجارات المتكررة.
فالمشكلة التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم ليست وجود خصم واحد فقط، وإنما وجود بيئة إقليمية سمحت خلال سنوات طويلة بظهور قوى مسلحة خارج إطار الدولة، وتعدد مراكز القرار الأمني، وتحول بعض الدول إلى ساحات صراع بالوكالة.
ولهذا فإن أي استراتيجية أمريكية جديدة ستجد نفسها مضطرة للتعامل مع أصل المشكلة، وليس مع مظاهرها فقط.
ومن هنا يأتي الحديث المتزايد عن أهمية الدولة الوطنية ومؤسساتها العسكرية والأمنية، فالقوى الكبرى، مهما اختلفت حساباتها، تحتاج في النهاية إلى التعامل مع دول مستقرة تملك قرارها ومؤسساتها، وليس مع واقع تتحكم فيه جماعات مسلحة متعددة الولاءات.
وهذه الفكرة تحديداً تفتح الباب لفهم موقع سوريا في المعادلة الجديدة.
فدمشق ليست مجرد ملف من ملفات الشرق الأوسط، بل هي إحدى العقد الجغرافية والسياسية الأكثر تأثيراً في المنطقة.
فسوريا تقع في قلب الممر الذي يربط الخليج بشرق المتوسط، وتشكل نقطة التقاء بين العراق وتركيا والأردن ولبنان، كما أن استقرارها يؤثر بشكل مباشر على ملفات تتعلق بالطاقة والتجارة والأمن الحدودي ومكافحة الإرهاب.
ولهذا فإن أي إعادة صياغة للأمن الإقليمي لا يمكن أن تتجاهل سوريا.
فالدولة التي كانت خلال سنوات الحرب ساحة لتنافس المشاريع الخارجية، يمكن أن تتحول في المرحلة المقبلة إلى عنصر توازن إذا نجحت في بناء مؤسساتها واستعادة دورها الطبيعي.
وهذه ليست مسألة مرتبطة بالرغبة السياسية فقط، بل بحقائق الجغرافيا والتاريخ.
لقد تغيرت الظروف التي أنتجت المرحلة السابقة، فالمنطقة التي دخلت العقد الماضي وهي تعيش حالة انهيار للدول وتوسع نفوذ الفاعلين غير الدولتيين، تدخل اليوم مرحلة مختلفة عنوانها البحث عن الاستقرار.
وهذا لا يعني أن الصراعات انتهت، لكنه يعني أن الأولويات الدولية بدأت تتحول من إدارة الفوضى إلى محاولة بناء ترتيبات أكثر استدامة.
وفي هذا السياق، فإن سوريا الجديدة تواجه مسؤولية تاريخية وفرصة في الوقت نفسه.
فالمكانة الإقليمية لا تُستعاد بالشعارات، وإنما ببناء دولة قوية، واقتصاد قادر على النهوض، ومؤسسات عسكرية حديثة تقوم على الاحتراف والعلم والتكنولوجيا، وعلاقات خارجية متوازنة تقوم على المصالح المشتركة.
فالجيش في القرن الحادي والعشرين لم يعد مجرد قوة قتالية تقليدية، بل أصبح مؤسسة تعتمد على المعرفة، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، والقدرة على إدارة المعلومات، فالحروب الحديثة أثبتت أن التفوق لا يُقاس فقط بعدد الجنود والأسلحة، وإنما بقدرة الدولة على إنتاج المعرفة العسكرية وتحويلها إلى قوة استراتيجية.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة بناء المؤسسات الدفاعية السورية وفق رؤية عصرية، تجعل من التعليم العسكري والبحث العلمي جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الوطني، لا مجرد أدوات مساندة، فالدول التي تريد أن تحمي سيادتها في المستقبل تحتاج إلى عقول عسكرية قادرة على فهم طبيعة الصراعات الجديدة بقدر حاجتها إلى القوات القادرة على خوضها.
إن الحديث عن مستقبل سوريا في المعادلة الإقليمية الجديدة لا ينفصل عن التحولات التي تشهدها المنطقة بأكملها، فالشرق الأوسط الذي خرج من سنوات طويلة من الحروب والصراعات بالوكالة ليس هو الشرق الأوسط الذي دخلها.
لقد تغيرت أولويات القوى الدولية، كما تغيرت طبيعة التحديات التي تواجه الدول، فالأمن اليوم لم يعد مرتبطاً فقط بالقدرة على خوض المعارك، بل بامتلاك الدولة لمقومات الصمود السياسي والاقتصادي والعسكري.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم أهمية التحول في الرؤية الأمريكية تجاه المنطقة، فالولايات المتحدة، التي خاضت خلال العقود الماضية حروباً مباشرة ومكلفة في الشرق الأوسط، تبدو اليوم أكثر ميلاً إلى بناء منظومة إقليمية تعتمد على الشراكات، وتعزيز قدرات الحلفاء، وإعادة ترتيب التوازنات، بدلاً من تحمل العبء الأكبر في كل مواجهة.
وهذا التحول لا يعني بالضرورة انسحاباً أمريكياً من المنطقة، بل يعني تغييراً في شكل الحضور وطريقة إدارة النفوذ.
فالنفوذ في القرن الحادي والعشرين لم يعد يقاس فقط بعدد القواعد العسكرية أو حجم الانتشار الميداني، بل بقدرة الدولة على التأثير في البيئة السياسية المحيطة بها، ولهذا فإن واشنطن، كما غيرها من القوى الكبرى، تبحث عن شرق أوسط أكثر قابلية للتنبؤ، تكون فيه الدول قادرة على ضبط أراضيها، وتأمين حدودها، ومنع تحول الفراغات الأمنية إلى بؤر تهدد الاستقرار الإقليمي والدولي.
وهنا تظهر أهمية الملف اللبناني، الذي أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بالمشهد الإقليمي الأوسع.
فاستقرار لبنان لم يعد قضية داخلية منفصلة عن محيطه، لأن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن ضعف الدولة وازدواجية القرار الأمني يفتحان الباب أمام أزمات تتجاوز الحدود.
ومن هذا المنطلق، فإن أي توجه نحو تعزيز الدولة اللبنانية ومؤسساتها ينسجم مع التحول الأوسع نحو دعم مفهوم الدولة الوطنية في المنطقة.
أما سوريا، فإن موقعها يجعلها حاضرة في كل نقاش يتعلق بمستقبل المشرق العربي، فاستقرار لبنان مرتبط باستقرار سوريا، وأمن الحدود العراقية يرتبط بأمن الحدود السورية، كما أن أي مشروع اقتصادي يربط الخليج بالبحر المتوسط يحتاج إلى بيئة سورية مستقرة، ولذلك فإن إعادة بناء سوريا لا تمثل مصلحة سورية فقط، بل مصلحة إقليمية تتقاطع عندها مصالح العديد من الدول.
لكن استعادة سوريا لدورها لن تكون عبر العودة إلى معادلات الماضي، بل عبر بناء نموذج جديد يقوم على الدولة والمؤسسات، فالمرحلة المقبلة لن تكون مرحلة النفوذ القائم على الأدوات العسكرية غير المنضبطة، وإنما مرحلة الدول التي تمتلك القدرة على إدارة علاقاتها بذكاء، وتحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة سياسية واقتصادية.
وفي هذا الإطار، فإن العلاقة السورية مع المحيط العربي والإقليمي ستكون عاملاً حاسماً، فالمنطقة بحاجة إلى مقاربة جديدة تتجاوز سنوات القطيعة والصراع، وتفتح المجال أمام التعاون في ملفات الاقتصاد والطاقة وإعادة الإعمار والأمن.
وسوريا، بما تملكه من موقع وموارد بشرية وتاريخ سياسي، يمكن أن تكون جزءاً من هذه المنظومة إذا نجحت في ترسيخ الاستقرار الداخلي وبناء الثقة مع محيطها.
ومن هنا تابعنا دعوات الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى انسحاب نتنياهو من المناطق السورية التي تقدّم اليها دون وجه حق.
أما تركيا، فهي أيضاً لاعب أساسي في أي ترتيبات مستقبلية للمنطقة، فالجغرافيا تفرض عليها أن تكون حاضرة في الملف السوري، كما أن مصالحها الأمنية والاقتصادية تجعلها معنية بقيام سوريا مستقرة.
ومن هنا فإن المرحلة القادمة ستحتاج إلى صياغة علاقة تقوم على المصالح المشتركة، واحترام السيادة، والتعاون في مواجهة التحديات العابرة للحدود، ومن أهمها محاولات تهريب الأسلحة والذخائر التي تقوم بها المليشيات التي تدين بالولاء لخارج حدود أوطانها، حيث كان آخرها ما قامت به الأجهزة السورية المختصة بعملية ضبط لصهاريج تنقل الأسلحة والذخائر من العراق عبر سورية إلى حزب الله اللبناني.
بالعودة إلى موضوع التحولات الكبرى فهي لا تُقاس فقط بما يحدث في ساحات القتال، بل بما ينتج عنها من ترتيبات سياسية جديدة.
والحرب على إيران، وما رافقها من اضطراب في أمن الخليج ومضيق هرمز، قد تكون نقطة فاصلة تدفع المنطقة نحو إعادة تعريف مفاهيم الأمن والتحالفات.
فإذا كان الشرق الأوسط خلال العقود الماضية قد عاش مرحلة عنوانها صراع النفوذ، فإن المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة صراع على بناء الدولة القادرة، وستكون الأفضلية للدول التي تمتلك مؤسسات قوية، واقتصاداً قابلاً للنمو، وجيشاً محترفاً، وقدرة على التكيف مع التحولات العالمية.
ومن هنا فإن السؤال حول تغير العقيدة العسكرية الأمريكية لا يتعلق فقط بالولايات المتحدة، بل يتعلق بشكل المنطقة التي ستنشأ بعد هذه التحولات.
فواشنطن قد تغير أدواتها وأساليبها، لكن الدول الإقليمية هي التي ستحدد في النهاية مدى نجاح أي ترتيبات جديدة أو فشلها.
وسوريا تقف اليوم أمام لحظة تاريخية دقيقة، فالموقع الذي جعلها لعقود محط اهتمام القوى الكبرى يمكن أن يتحول من عبء إلى فرصة، لكن ذلك يتطلب رؤية واضحة، وإرادة سياسية، ومؤسسات قادرة على ترجمة هذه الفرصة إلى واقع.
إن الشرق الأوسط الجديد لن يُبنى فقط على نتائج المعارك، بل على قدرة الدول على تجاوز منطق الصراع وبناء مقومات الاستقرار.
وفي هذه المعادلة، فإن سوريا لا تملك رفاهية الانتظار، لأن موقعها يجعلها جزءاً من الحل كما كانت جزءاً من المشكلة في مراحل سابقة.
لقد كشفت أزمة هرمز أن أمن المنطقة مترابط، وأن أي اضطراب في نقطة استراتيجية يمكن أن يؤثر في العالم كله.
كما كشفت أن مرحلة جديدة تقترب، عنوانها إعادة الاعتبار للدولة الوطنية، وللمؤسسات، وللجيوش التي تعمل ضمن إطار الشرعية والقانون.
وإذا نجحت سوريا في استثمار هذه اللحظة، فإنها لن تستعيد دورها الإقليمي فقط، بل ستساهم في صياغة مرحلة جديدة يكون فيها الاستقرار أقوى من الفوضى، والتنمية أقوى من الصراع، والدولة أقوى من كل المشاريع التي حاولت خلال السنوات الماضية أن تحل محلها.
فالمعادلة التي ستحدد مستقبل الشرق الأوسط ليست فقط: من يملك القوة؟
بل: من يستطيع تحويل القوة إلى استقرار؟
وهنا تحديداً ستكون الإجابة مرتبطة بقدرة الدول، وفي مقدمتها سوريا، على بناء المستقبل لا العودة إلى الماضي.