التعافي يبدأ من المجتمع

0 512

غالباً ما يُقرأ المجتمع السوري من خلال عدسة السياسة وحدها، فسنوات الثورة والصراعات الطويلة رسّخت خطاباً يقوم على الاستقطاب الحاد، حتى بدا وكأن السوريين يعيشون داخل جزر اجتماعية منفصلة، تحددها الانتماءات السياسية أو الطائفية أكثر مما تحددها الروابط الإنسانية. غير أن هذا التصور، على الرغم من حضوره الإعلامي والسياسي، لا يختزل الواقع الاجتماعي بكل تعقيداته.

السياسة تصنع سرديتها الخاصة، بينما تستمر الحياة اليومية في إنتاج سرديات مختلفة. ففي الجامعات، وأماكن العمل، والأسواق، والفضاء الرقمي، تستمر علاقات الصداقة والزمالة، بل والعلاقات العاطفية والزواج، بين أفراد ينتمون إلى خلفيات اجتماعية وسياسية وطائفية متعددة. وهذه العلاقات لا تنفي آثار الصراع ولا تلغي الانقسامات، لكنها تكشف أن المجتمع يحتفظ بمساحات من التفاعل تتجاوز حدود الخطاب السياسي.

من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى بعض القصص الفردية المتداولة، ومنها حالات الارتباط أو مغادرة المنزل بدوافع عاطفية، باعتبارها مؤشرات اجتماعية تستحق التأمل لا أدوات لإصدار الأحكام. فهذه الوقائع لا تمثل جماعة بعينها، ولا يجوز تعميمها أو توظيفها في سياق التحريض أو الوصم، لكنها تكشف أن التفاعل الإنساني لم يتوقف رغم كل ما راكمته سنوات الصراع من خوف وانعدام ثقة. وتنسجم هذه الملاحظة مع ما تشير إليه دراسات علم الاجتماع السياسي، التي ترى أن العلاقات المباشرة بين الأفراد قادرة، في كثير من الأحيان، على تقويض الصور النمطية التي تنتجها الصراعات. فكلما ازداد الاحتكاك الطبيعي بين الناس في بيئات التعليم والعمل والإنتاج، تراجعت قدرة الخطابات الإقصائية على احتكار تعريف “الآخر”. وهنا تظهر أهمية الحياة اليومية بوصفها فضاء لإعادة بناء الثقة، بعيداً عن الاستقطابات التي تغذيها السياسة والإعلام.

لقد حاول النظام السابق، وسلطات الأمر الواقع، وأمراء الطوائف، عبر السنوات السابقة، إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي على أساس الخوف المتبادل، وربط الانتماء الطائفي أو السياسي بصورة نمطية ثابتة. غير أن الواقع يكشف أن الإنسان لا يعيش وفق التصنيفات المجردة وحدها. فهو يكوّن صداقاته، ويختار شريك حياته، ويبني شبكاته الاجتماعية انطلاقاً من القرب الإنساني، والتوافق الفكري، والمصالح المشتركة، والخبرة اليومية. ومع مرور الوقت، تصبح هذه الروابط أكثر تأثيراً من كثير من الشعارات التي أنتجتها سنوات الصراع. ولا يعني ذلك إنكار استمرار الحساسيات الاجتماعية أو القيود الثقافية أو آثار العنف. فلكل علاقة ظروفها الخاصة، وتتداخل فيها عوامل نفسية وأسرية واقتصادية وثقافية، فضلاً عن اختلاف البيئات المحلية. ولهذا فإن أي قراءة علمية مسؤولة ينبغي أن ترفض التفسير الأحادي، وأن تتجنب تحويل الحالات الفردية إلى استنتاجات عامة عن أي مكوّن اجتماعي. لكن هذه الوقائع تطرح سؤالاً بالغ الأهمية: إذا كانت العلاقات الإنسانية تستمر في التشكل رغم سنوات الصراع، فهل يمتلك المجتمع السوري قدرة كامنة على استعادة الثقة بوتيرة أسرع مما تتوقعه النخب السياسية؟.

قد تكون الإجابة أقرب إلى الإيجاب، لكن ذلك مشروط بوجود دولة عادلة وقادرة. فالثقة المجتمعية لا تُبنى بالخطب والشعارات، وإنما تنمو عندما يشعر المواطن بأن القانون يحمي الجميع على قدم المساواة، وأن الحقوق لا ترتبط بالانتماء الطائفي أو المناطقي، وأن الاختلاف لا يتحول إلى سبب للتمييز أو الخوف. فالدولة ليست بديلاً عن المجتمع، لكنها توفر الإطار الذي يسمح للمجتمع بإعادة إنتاج ثقته بنفسه.

ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن فعله هو تحويل القصص الفردية إلى وقود للاستقطاب الطائفي أو السياسي. فالمجتمعات تُفهم من خلال الدراسات والاتجاهات العامة والمؤشرات الموثقة، لا من خلال الوقائع المنفردة، مهما كانت لافتة. وفي المقابل، فإن تجاهل ما تكشفه هذه الوقائع من استمرار للتواصل بين السوريين يعني إغفال أحد أهم عناصر القوة الكامنة في المجتمع السوري.

لقد أثبتت السياسة قدرتها على إنتاج الانقسام، لكنها لم تستطع القضاء على قابلية الناس للتواصل. وما بقي من شبكات الثقة، وروابط الجيرة، وعلاقات الدراسة والعمل، والزواج، والتعاون الاقتصادي، يمثل رأسمالاً اجتماعياً بالغ الأهمية في مرحلة إعادة بناء الدولة. فالتعافي لا يبدأ من المؤسسات وحدها، بل يبدأ أيضاً من قدرة المجتمع على استعادة عاداته الطبيعية في التفاعل والتعاون. وربما تكون هذه هي الحقيقة الأهم التي تكشفها القصص الفردية. أن المجتمع السوري، رغم كل ما أصابه من تمزق، لم يفقد بالكامل قدرته على التواصل الإنساني. وهذه القدرة ليست مجرد ظاهرة اجتماعية، بل مورد وطني استراتيجي يمكن البناء عليه في مشروع التعافي وإعادة الاندماج الوطني.

في النهاية، فإن مستقبل سوريا لن تحدده الهويات المغلقة، بل ستحدده قدرة السوريين على تحويل التنوع إلى شراكة، والاختلاف إلى مصدر غنى، والمواطنة إلى الإطار الجامع للجميع. فعندما تنتصر الثقة على الخوف، وسيادة القانون على منطق الانقسام، تصبح الروابط الإنسانية أكثر قوة من الحدود التي رسمتها السياسة، ويغدو التعايش ممارسة يومية يصنعها الناس قبل أن تكرسها النصوص والاتفاقيات.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني