سوريا.. من ساحة حرب إلى لاعب يساهم في رسم ملامح الشرق الأوسط؟

0 31

خلال أشهر قليلة، تغيّرت صورة سورية بشكل لافت. فمن بلد أنهكته الحرب، أصبحت في قلب حراك سياسي متسارع.

البداية كانت مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، رغم التفجيرات الإرهابية التي استهدفت العاصمة في محاولة لإرباك الزيارة وإيصال رسالة بأن سوريا ما تزال غير مستقرة. إلا أن الزيارة استمرت كما خُطط لها.

ولم يمر وقت طويل حتى جاء اللقاء الرابع بين الرئيس أحمد الشرع والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليتحول هذا الانفتاح إلى خطوة سياسية أكثر وضوحاً، بإعلان واشنطن رفع سوريا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، مع حديث ترامب عن أن سوريا أصبحت “بلداً مستقراً”. كما تعكس التحركات التركية والأمريكية والأوروبية خلال الفترة الأخيرة قناعة متزايدة بأن استقرار سوريا لم يعد شأناً سورياً فحسب، بل أصبح جزءاً من استقرار المنطقة، وأن أنقرة ستكون شريكاً رئيسياً في ملفات الأمن، ومكافحة الإرهاب، واستقرار الحدود، وإعادة دمج سوريا في محيطها الإقليمي.

ولم يكن هذا التحول وليد اللحظة، بل جاء بعد أن طوت سوريا في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 صفحة التنظيمات الإرهابية التي سيطرت لسنوات على أجزاء واسعة من البلاد، وبدأت تستعيد سيادة الدولة على أراضيها. ومع تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، والضربات التي أضعفت حزب الله، بدأت خريطة التوازنات الإقليمية تتغير، وبرزت دمشق من جديد باعتبارها طرفاً يمكن أن يساهم في استقرار المشرق، وليس مجرد ساحة للصراعات.

لكن أي دور إقليمي لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل. فلا يمكن لدولة أن تؤثر في محيطها إذا كانت ملفاتها الداخلية ما تزال عالقة. وفي مقدمة هذه الملفات إطلاق مبادرة وطنية تعيد محافظة السويداء إلى حضن الدولة بالحوار والشراكة، بما يحفظ هيبة الدولة وحقوق المواطنين، لأن استمرار هذا الملف مفتوحاً يضعف أي دور إقليمي يمكن أن تنهض به سوريا.

ولا يقل أهمية الإسراع في انطلاق مجلس الشعب، فوجود مؤسسة تشريعية فاعلة يمنح المرحلة الانتقالية شرعية أكبر، ويوسع المشاركة السياسية، ويبعث برسالة طمأنة إلى الداخل والخارج بأن الدولة تستكمل مؤسساتها وفق رؤية واضحة وجدول زمني محدد.

وإذا كانت التطورات السياسية قد فتحت أمام دمشق نافذة واسعة، فإن نجاحها سيبقى مرتبطاً أولاً بما يلمسه السوريون في حياتهم اليومية. فتحريك عجلة الإنتاج، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص العمل، وتحسين مستوى المعيشة، ليست مجرد أهداف اقتصادية، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه قوة الدولة ونفوذها. فالدول لا تقود أقاليمها بالسياسة وحدها، بل باقتصاد قوي يمنحها الاستقرار والقدرة على التأثير.

لهذا، ربما لم يعد السؤال: هل عادت سوريا إلى المجتمع الدولي؟ بل: هل تستطيع تحويل هذا الزخم السياسي إلى مشروع دولة ناجح؟ فالتحديات الداخلية ما تزال كبيرة، من استكمال بناء المؤسسات، إلى تحقيق المصالحة الوطنية، وتسريع الإصلاح الاقتصادي، وترسيخ سيادة القانون. صحيح أن الظروف الإقليمية والدولية تبدو اليوم أكثر ملاءمة من أي وقت مضى، لكن الفرص وحدها لا تصنع النجاح، بل تحتاج إلى إدارة كفوءة، وقرارات شجاعة، ورؤية واضحة. فإذا نجحت سوريا في الوفاء بهذه الاستحقاقات، فقد تستعيد مكانتها كدولة محورية في المشرق. أما إذا تعثرت، فقد يبقى هذا الزخم السياسي مجرد فرصة تاريخية لم تكتمل.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني