حين يصبح الحليف عبئاً.. هل دخلت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية مرحلة جديدة؟

0 1٬113

أنشأ البريطانيون كيان إسرائيل بإطلاق وعد بلفور، وعملوا على ذلك برضى فرنسي أيضاً، وبالتالي كان إنشاء تلك الدويلة قراراً متخذاً من أقوى إمبراطوريتين في العالم في بدايات القرن العشرين، حيث كان العائق هو وجود الإمبراطورية العثمانية، وتمت هزيمتها في الحرب العالمية الأولى. ولعدم ظهور قوة عربية أو إسلامية ذات شأن في المنطقة، تم اختراع هذا العائق ورعايته، وتم توريث تلك الرعاية والحماية إلى الولايات المتحدة عند أفول نجم الإمبراطوريتين الفرنسية والإنكليزية. كما أن القوة العظمى التي نشأت في زمن ظهور دولة إسرائيل، وأقصد الاتحاد السوفييتي، لم تجد فيها عدواً حقيقياً لها، وكانت لا تفكر في إزالة هذا الخنجر الغربي من المنطقة، رغم صداقتها للعرب ودعمهم في حروبهم عليها ومعها.

تمكنت الولايات المتحدة من إنشاء شراكات عسكرية مهمة في المنطقة مع العرب، رغم دعمها المطلق لإسرائيل، فالدول العربية المحافظة لم يكن لها خيار في المفاضلة بين الأمريكيين والسوفييت، واختارت الجانب الأمريكي، رغم علمها المسبق واليقيني بمدى الحماية الأمريكية لإسرائيل. وبعد سقوط الشاه في إيران برز عدو جديد للعرب، رآه بعضهم أخطر من العدو الإسرائيلي، واستغل الأمريكيون البعبع الجديد لابتزاز دول المنطقة ومحاولة تعويم إسرائيل، وتقديمها لهم كحليف محتمل في مواجهة خطر عدو واحد هو إيران الخمينية المذهبية.

باغتيال إسحاق رابين كان تغيّراً عميقاً قد حدث في بنية الكيان المصطنع من الداخل، وأفلت حقبة العمالقة المؤسسين للكيان، الذين كانوا يقدمون دولة الاحتلال كقوة علمانية غربية متحضرة تتماهى مع النموذج الغربي، وتتلقى كل أشكال الدعم منه. وبدأت تبرز تيارات يهودية متطرفة قوية تتبنى أيديولوجيات دينية تتماهى مع صهيونية مسيحية بروتستانتية ضيقة لإثبات صحة معتقداتهم الدينية على أرض الواقع، بتجسيد النبوءات التوراتية والبروتستانتية، وبذلك بدأت تتحول إسرائيل إلى دولة أيديولوجية، وهذا الاتجاه الذي اختطته سيتصادم بالضرورة مع مصالحها، أو بالأساس مع الوظيفة التي أنشأتها القوى الاستعمارية الكبرى، وأوجدت لها سردية ومظلومية يهودية للتغطية على دورها الوظيفي والحقيقي.

فهم اللوبي اليهودي اللعبة السياسية الداخلية الأمريكية، وأتقن امتلاك أدوات التأثير عليها، بحيث بات أمن إسرائيل ودعمها شأناً داخلياً أمريكياً يتبارى فيه المتنافسون من الحزبين، وليس تجسيداً لمصالح استراتيجية أمريكية فقط، يمكن لها أن تتغير يوماً ما.

بدأت تحدث تغيّرات في موقع إسرائيل وصورتها ضمن الداخل الأمريكي، تراكمت تدريجياً وانفجرت في مشاهد حرب الإبادة على غزة، حيث ظهر أن شباب الجامعات، ومن هم في عمر أقل من أربعين سنة من الأمريكيين، لا يرون في إسرائيل النموذج أو الضرورة التي يتنافس السياسيون على خطبة ودها. وشاهد العالم الاحتجاجات في الجامعات الأمريكية على الهولوكوست في غزة، بل إن تغيراً هاماً حدث في الرأي العام الدولي، أثبت عزلة الولايات المتحدة وعدم صواب موقفها في الدعم المطلق لإسرائيل. وإذا كان الفيتو الأمريكي يعيق أي قرار يصدر عن مجلس الأمن، فإن نتائج التصويت المتعددة في الجمعية العامة للأمم المتحدة تُظهر البون الشاسع بين من يدعم إسرائيل ومن يفعل عكس ذلك. ويوجد تطور هام لا بد من أخذه بعين الاعتبار، وهو إصدار مذكرة اعتقال دولية بحق نتنياهو ورئيس أركانه من المحكمة الجنائية الدولية، وتلك دلالة كانت سابقاً من المستحيلات.

ظهر لكثير من الأمريكيين أن التماهي في دعم إسرائيل يستنزف كثيراً من الرصيد الأخلاقي للولايات المتحدة، ويضر أيضاً بمصالحها، خاصة أن واشنطن بحاجة إلى حلفاء على مستوى العالم في صراعها المعلن البارد مع منافسها الصيني، ومن خلفه الروسي. واستنتج المخططون الأمريكيون أن العالم السني الكبير هو الحليف الطبيعي المحتمل لهم، ولكن لهذا العالم مشكلة كبيرة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي. وأظن أن آخر استعمال للعصا الإسرائيلية الغليظة كان في مغامرة، أو مقامرة، الحرب الأمريكية على إيران، وقد أثبتت تلك العصا عدم نجاعتها، بل ضررها الكبير على المشاريع الأمريكية.

وكان اتفاق الإطار الأمريكي – الإيراني من ضمن غاياته، بالنسبة لواشنطن، إخراج إسرائيل من الحرب وركنها جانباً، لأن مدى التعاطف العربي والإسلامي والدولي مع إيران كان مذهلاً ومرعباً في آنٍ واحد. واستنتج الأمريكيون، متأخرين جداً، أن لا أحد سينخرط معهم في الحرب على العدو الإيراني، طالما أن إسرائيل جزء من التحالف.

من الطبيعي أن تختلف المصالح الإسرائيلية مع الأمريكية في المنطقة، فقد اختلفت في سوريا بعد التحرير، ولجم الأمريكيون عدوانية نتنياهو ومخططاته كلها، كذلك اختلفت مؤخراً الأهداف الأمريكية عن الإسرائيلية في مآلات ونتائج وإدارة الحرب مع إيران.

أول تعبير حاد عن الضيق الأمريكي من إسرائيل جاء من مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية، وهو على رأس عمله ويملك طموحاً لمستقبل سياسي، بمعنى أن كل موقف أو كلمة لا يطلقها جزافاً. هذا المسؤول هو نائب الرئيس ترامب، جي دي فانس، ويملك حظوظاً قوية للترشح لانتخابات الرئاسة القادمة، وهو من رموز حركة ماغا (أمريكا أولاً، أو لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً)، حيث عقد مؤتمراً صحفياً في البيت الأبيض في منتصف حزيران الماضي، ثم في لقاءات إعلامية لاحقة، مثل البودكاست الشهير مع جو روغان، في تموز الجاري.

جاءت تصريحات دي فانس رداً على هجوم لاذع من وزراء في حكومة نتنياهو، وخاصة بن غفير وسموتريتش، على مذكرة التفاهم والسلام التي وقعتها الإدارة الأمريكية مع إيران.

تناول فيها النائب مواضيع مهمة، منها:

1- قال نصاً: “ثلثا الأسلحة الدفاعية التي حمت إسرائيل في الآونة الأخيرة بُنيت بأيدٍ أمريكية، ومُولت بالكامل من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين”. هذا الكلام كان محظوراً سابقاً، وقد يعتبر معادياً للسامية.

2- قال: “لو كنت عضواً في الحكومة الإسرائيلية لما هاجمت الحليف القوي الوحيد المتبقي في العالم كله”. وهذا تحذير واضح للوزراء الإسرائيليين الذين يهاجمون الاتفاق والرئيس ترامب، ويشير إلى العزلة المطلقة التي تحيط بإسرائيل دولياً.

3- وحول استخدام القوة العسكرية دون أفق سياسي، في حديثه الموجه لوزراء اليمين المتطرف الإسرائيليين، تساءل فانس عن خطتهم البديلة قائلاً: “ما هو مقترحكم تحديداً؟ أنتم دولة تعدادها 9 ملايين نسمة، ولا يمكنكم ببساطة أن تعتمدوا القتل كوسيلة لحل كل مشكلة أمن قومي تواجهكم”.

4- وحول التمييز بين مصالح أمريكا ومصالح إسرائيل، وفي تصريحات لاحقة دافع فيها عن مواقفه السابقة، قائلاً: “ليس بالضرورة أن تتطابق المصالح الأمريكية والإسرائيلية دائماً”، وأكد على ضرورة حذر القادة الأمريكيين في التمييز بين ما يخدم المصالح الأمريكية ومصالح الدول الأخرى، منتقداً محاولات إلصاق تهمة معاداة السامية بكل من ينتقد نتنياهو وحكومته.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني