
التراث السوري على قوائم اليونسكو… ذاكرة وطن وهوية حضارية
يشكّل التراث الثقافي السوري، المادي واللامادي، أحد أهم روافد الهوية الوطنية وركائز الذاكرة الجمعية للشعب السوري. فمنذ آلاف السنين، تعاقبت على هذه الأرض حضارات تركت بصماتها في المعمار، والفنون، والعادات، والحرف التقليدية، لتغدو سورية اليوم واحدة من أغنى دول العالم بالمواقع الأثرية والعناصر التراثية التي تحمل قيمة إنسانية عالمية. وقد حظي هذا الإرث باهتمام خاص من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، التي أدرجت عدداً من المواقع والعناصر السورية على قوائمها بهدف حمايتها وصونها.
تأسست اليونسكو عام 1945، واضطلعت منذ ذلك الحين بدور محوري في حماية التراث العالمي عبر اتفاقيات دولية أبرزها اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي لعام 1972، واتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003. وقد انضمت سورية إلى اتفاقية التراث العالمي عام 1975، لتبدأ رحلة إدراج مواقعها المميزة على القائمة الدولية.
تراث مادي يروي تاريخ الحضارات
أدرجت اليونسكو ستة مواقع سورية على قائمة التراث العالمي، لما تحمله من قيمة استثنائية في تاريخ الإنسانية. فالمدينة القديمة في دمشق، المدرجة عام 1979، تُعد من أقدم المدن المأهولة في العالم، وتضم الجامع الأموي والأسواق والخانات التي تعكس عمق التاريخ الحضري السوري. أما مدينة بصرى الأثرية، المدرجة عام 1980، فتبرز بمسرحها الروماني الشهير وآثارها الممتدة عبر العصور الرومانية والبيزنطية والإسلامية.
ويأتي موقع تدمر الأثري، أحد أهم المراكز التجارية القديمة، بما يحتويه من معابد وأعمدة ومدافن ملكية، ليؤكد الدور الحضاري لسورية في الربط بين الشرق والغرب. كما تشكّل المدينة القديمة في حلب نموذجاً فريداً للعمارة الإسلامية والأسواق التاريخية، فيما تمثل قلعة الحصن وقلعة صلاح الدين نموذجاً بارزاً لفنون التحصين في العصور الوسطى. وتختتم القرى الأثرية في شمال سورية القائمة، وهي مجموعة من نحو أربعين قرية تعود إلى العهدين الروماني والبيزنطي، وتقدم صورة واضحة عن الحياة الريفية القديمة.
تراث لامادي يعكس روح المجتمع السوري
إلى جانب التراث المادي، أدرجت اليونسكو عدداً من العناصر السورية على قوائم التراث الثقافي غير المادي، تقديراً لغنى الممارسات الشعبية والحرف التقليدية. من أبرز هذه العناصر: ممارسات الوردة الشامية في المراح (2019)، القدود الحلبية (2021)، الصقارة (2021)، صناعة العود (2022)، صناعة صابون الغار الحلبي (2024)، الكحل العربي (2025)، والبشت العربي (2025). كما أُدرج فن خيال الظل (2018) والنفخ التقليدي للزجاج الدمشقي (2023) على قائمة الصون العاجل نظراً لتهديدات الاندثار التي تواجههما.
أهمية الإدراج ودوره الوطني
يسهم إدراج التراث السوري على قوائم اليونسكو في تعزيز الهوية الوطنية، ودعم الحرفيين والفنانين، وتنشيط السياحة الثقافية، إضافة إلى رفع مستوى الوعي الدولي بأهمية حماية التراث السوري في ظل التحديات التي مرّت بها البلاد خلال السنوات الماضية.
إن التراث السوري، بمواقعه وعناصره، ليس ملكاً للسوريين وحدهم، بل هو جزء من الذاكرة الإنسانية المشتركة. وحمايته واجب وطني وثقافي، يضمن نقل هذا الإرث الغني إلى الأجيال القادمة، ويحافظ على مكانة سورية في سجل الحضارة العالمية.