بين الاحتجاج والمؤسسات… هل تختبر التحركات الشعبية قدرة الدولة السورية على الاستجابة؟

0 27

أعادت الاعتصامات والتحركات الاحتجاجية الأخيرة في دير الزور وعدد من المناطق السورية طرح أسئلة تتجاوز المطالب الخدمية والمعيشية المباشرة، لتلامس قضية أكثر عمقاً تتعلق بقدرة مؤسسات الدولة في المرحلة الانتقالية على الاستجابة لمطالب المجتمع واحتواء الضغوط المتزايدة عبر القنوات القانونية والإدارية.

ففي الدول التي تمر بمراحل إعادة بناء سياسية وإدارية، لا يُنظر إلى الاحتجاج باعتباره حالة استثنائية أو تهديداً بحد ذاته، بل بوصفه أحد المؤشرات التي تكشف مستوى التفاعل بين المجتمع ومؤسسات الحكم. وكلما ازدادت قدرة المؤسسات على الاستماع والاستجابة، تراجع اعتماد المواطنين على الشارع باعتباره الوسيلة الوحيدة للتعبير عن مطالبهم.

وفي الحالة السورية، تبدو هذه المعادلة أكثر تعقيداً نتيجة تراكم آثار الحرب والانقسامات السياسية والاجتماعية، إلى جانب التحديات المرتبطة بإعادة بناء مؤسسات الدولة وترسيخ الثقة بينها وبين المواطنين.

مجتمع لم يغادر آثار الصراع

يرى الكاتب والسياسي فراس علاوي أن الاحتجاجات الحالية لا يمكن قراءتها بمعزل عن الانقسامات العميقة التي خلفتها سنوات الصراع.

ويقول إن المجتمع السوري ما يزال يعيش تباينات جوهرية في نظرته إلى قضايا الدولة والثورة والنظام السابق والعدالة، الأمر الذي يجعل بعض الأحداث أو القرارات قادرة على إثارة ردود فعل واسعة تتجاوز أسبابها المباشرة.

وبحسب علاوي، فإن ما يظهر في الشارع اليوم يعكس إلى حد كبير استمرار تداعيات الصراع السياسي والاجتماعي، أكثر مما يعكس خلافاً حول قضية محددة أو مطلب آني.

اتساع الحرية وغياب القنوات الوسيطة

من جانبه، يربط نائب مدير الصحة في دير الزور الدكتور أنس فتيح بين اتساع هامش التعبير بعد التحولات السياسية وبين محدودية القنوات المؤسسية القادرة على استيعاب المطالب المجتمعية.

ويشير إلى أن الانتقال من بيئة كانت تقيد الاحتجاج إلى مساحة أوسع من الحريات أوجد واقعاً جديداً أصبح فيه اللجوء إلى الشارع أكثر حضوراً، خاصة عندما يشعر المواطنون بأن المؤسسات لا تمتلك أدوات استجابة كافية أو سريعة.

ويرى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الاحتجاجات، بل في بناء مؤسسات تمثيلية وإدارية قادرة على تحويل المطالب الشعبية إلى سياسات وإجراءات عملية داخل إطار الدولة.

القانون بوصفه شرطاً للاستقرار

أما الحقوقي فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان، فيعتبر أن جوهر التحدي يرتبط بمدى قدرة الدولة على بناء إطار قانوني فاعل يحظى بثقة المجتمع.

ويؤكد أن ضعف القانون أو غياب تطبيقه يدفع الأفراد والجماعات إلى البحث عن بدائل خارج المؤسسات الرسمية، الأمر الذي قد يفتح المجال أمام أنماط من الثأر أو العدالة الفردية.

ويشير إلى أن العدالة الانتقالية تمثل أحد المسارات الأساسية لإعادة بناء الثقة العامة، موضحاً أنها لا تقتصر على المحاسبة القضائية، بل تشمل كشف الحقيقة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي ومنع تكرار الانتهاكات.

الاحتجاج جزء من الحياة السياسية

وفي قراءة أقرب إلى التجارب الديمقراطية الحديثة، يرى البرلماني السابق في ألمانيا جمال قارصلي أن الاحتجاج يمثل حقاً مشروعاً وعنصراً طبيعياً في الحياة السياسية، شرط أن يقترن بوجود مؤسسات قادرة على التفاعل مع المطالب المطروحة.

ويعتبر أن فعالية الاحتجاج لا تُقاس بحجم الحشود فقط، بل بمدى قدرة النظام السياسي على تحويل المطالب المجتمعية إلى سياسات وقرارات قابلة للتنفيذ.

ويضيف أن بناء الممارسة الديمقراطية عملية تراكمية تحتاج إلى وقت وخبرة سياسية ومؤسسات مستقرة تسمح بانتقال المطالب من مرحلة التعبير الشعبي إلى التمثيل السياسي وصناعة القرار.

الإدارة المحلية تحت ضغط المطالب

على المستوى التنفيذي، يقدم نائب محافظ دير الزور بدري المصلوخ رؤية تعكس طبيعة التحديات التي تواجه الإدارات المحلية في التعامل مع المطالب الشعبية.

ويؤكد أن معظم المطالب المطروحة ليست جديدة، وأن الجهات الحكومية المعنية تتابعها بالتنسيق مع الوزارات المختصة، مشيراً إلى عقد لقاءات مع ممثلين عن المعتصمين والاستماع إلى مطالبهم ومناقشة آليات تنفيذها.

كما يوضح أن عدداً من الملفات المطروحة يتطلب وقتاً وإجراءات إدارية وقانونية قبل الوصول إلى حلول نهائية، بما في ذلك ملفات إعادة الدمج الوظيفي والعدالة الانتقالية ومتابعة الأشخاص المتهمين بارتكاب انتهاكات سابقة.

اختبار يومي لقدرة المؤسسات

تكشف الآراء المختلفة، رغم تباين زوايا النظر بينها، عن نقطة مشتركة تتمثل في أن التحدي الأساسي لا يرتبط بوجود الاحتجاجات بحد ذاته، بل بمدى قدرة مؤسسات الدولة على التعامل معها ضمن إطار قانوني وسياسي مستقر.

فالتحركات الشعبية في المراحل الانتقالية غالباً ما تكون انعكاساً لمطالب لم تجد طريقها بعد إلى المؤسسات، كما أنها تمثل اختباراً عملياً لمدى فاعلية هذه المؤسسات وقدرتها على بناء الثقة مع المجتمع.

وفي ظل التحولات التي تشهدها سوريا، يبدو أن السؤال المركزي لم يعد يتعلق بحق المواطنين في الاحتجاج، بل بقدرة الدولة على تطوير آليات استجابة فعالة تجعل الحوار المؤسسي المسار الأكثر جدوى لمعالجة القضايا العامة.

وبين إيقاع الشارع السريع وبطء الإجراءات الإدارية، تستمر عملية إعادة بناء العلاقة بين المجتمع والدولة بوصفها أحد أكثر التحديات حساسية في المرحلة المقبلة، وهي علاقة ستحدد إلى حد كبير شكل الاستقرار السياسي والاجتماعي ومستقبل المؤسسات العامة في البلاد.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني