عُيَّ الجوابُ وما عييَ النّداء

0 11

“أين أبي؟”.. “بدّي بابا؟” حروف خطّتها أنامل طفولة بريئة – لطفل وأخته بين حشد المتظاهرين – على قطعتي كرتون بيضاوين؛ يطلبان جواباً لسؤال يوقد النار في الأفئدة، ويهتك الحواس فتتمزّق، ويقضّ المضاجع فيحرم العيون لذة النوم، وينغز الضمائر الساهية فيوقظها من غفلتها لتبحث حثيثاً في الأماكن المظلمة، والزوايا الداجية عن بقايا شعاع من نور يتسرب عبر شقوق الأبواب الموصدة متشبثاً بأرواح هائمة في سهوب الأحلام، وبأمل ينوس معلقاً بأهداب الضياع في موضع خفي بعالم الغيب…

أربع مفردات وإشارتا استفهام تشدّ أنظار المارة.. تحدّق بها.. تستثيرها وتهزّ نياط القلوب وتفجعها فتتساقط (كبوش التوت). ينام الضمير فتتعرّى هيبة الإنسان، وتضمحلّ أحاسيسه، وتتصحّر النفوس ليفتضح جفافها، ويتبدّى عجزها عن الإجابة وسط نظرات صمت هذين الصغيرين الواقفين بين الجموع، ودموعهما تتلألأ في مآقيهما، وتنحدر حارّة على خدودهما لتسيل إلى الذقون، وتنهلّ على ياقات الثياب…

تقدّمت صحفية منهما متسائلة. غصّت الحناجر بالكلمات، ولم تستطع البوح بما يعتلج في الصدور. اكتفيا بالتحديق في وجهها.. مسحت على رأسيهما.. شجعتهما على التكلّم.. لم ينبسا بحرف.. ارتجاف الشفاه المبللة بماء ملح الأحداق عبّر عن الألم المحبوس بين طيات الحنايا ليكرّر سكوتُـهما ما كتباه في صفحتي بطاقتيهما اللتين يحملانها بأصابع غضة تطبق عليها، وتشي بإرادة لا تملّ الإصرار على طلب: متى تصحو الضمائر لتزهر روح الإنسانية فنرى والدنا عائداً…؟!

وخز منظرهما ذاكرتي لتسترجع ما حدث ذلك اليوم عندما تجمّع الشباب والصبايا قادمين من أنحاء متفرقة إلى ساحة المدينة يرفعون فوق هاماتهم رايات، وأعلاماً، ولافتات تفصح عن غاياتهم وهم يغنّون للحياة، وللحرية، وللسلام، وللعيش الكريم…، وما إن دخلوا وبدأ الهتاف أحاط بهم العسس والغوغاء وشرعوا بالاعتداء عليهم بالعصي، وبكعوب البنادق، وأجبروهم على التفرّق، واقتادوا بعضهم قسراً إلى جهات غير معروفة، ومازلت أتذكّر أحدهم وهم يركلونه بأقدامهم، ويدوسون على رأسه بأحذيتهم وقد حنّاه الدّم، وارتسمت على محيّاه شقائق النعمان، ثمّ جروه…، وأمسكوا بيديه ورجليه ورفعوه… ورموه في سيارة انطلقت بسرعة جنونية.

تلك الليلة لم أنم كعادتي، بتّ أتناوب متابعة الأخبار واحتساء القهوة حتّى بزغ النهار، وأشرقت الشمس. قرأت في صفحات التواصل الاجتماعي بعض أسماء أُفرِج عنهم، وغُيّب الباقون…، وما برحت صورة ذاك الشاب – كلّما اكتظّت الأمكنة بالناس – تدغدغ مشاعر التفاؤل وهو يلوّح بيديه ويصدح: “لقد أفل الليل والفجر وافى…”.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني