أرادوا نباحاً فاستدعوا عواء الذئب

0 8

ثمة مشهدية مقيتة ابتكرها أزلام نظام هارب، وما تزال تتنفس في الذاكرة واللغة اليومية معاً. كان بعضهم إذا أراد إذلال أسير أو خصم صاح في وجهه: «اعوِ ولا… اعوِ!». لم تكن كلمة عابرة، بل نموذجاً كاملاً للسلطة في أقبح صورها؛ محاولة لانتزاع الكرامة وتحويلها إلى صوت طاعة ومذلة.

المشهد ليس في قسوته وحدها، بل في جهل صاحبه بما يقول. فهو يظن أنه يأمر أسيره بتقليد كلب فيحقره، بينما يخطئ حتى في اختيار الرمز. فالكلب في العربية ينبح، أما العواء فهو صوت الذئب.

لم يكن الفرق بين النباح والعواء فرقاً معجمياً فحسب، بل فرق بين عالمين. عواء الذئب صوت يمتد في البراري والفلوات، يوحي بالوحشة والاستقلال وإعلان الحضور في فضاء مفتوح. أما نباح الكلب فصوت قصير متقطع، يرتبط بالحراسة، والعمران، والقطعان، والناس. وحين يسمع العربي العواء يتخيل ليل الصحراء وسكونها الممزق بصوت قادم من قلب البرية، بينما يستدعي النباح صورة الحيوان الملازم للبيوت والمضارب. ولم يكن هذا التمييز اعتباطياً في العربية، بل تعبيراً عن حمولة رمزية تراكمت عبر قرون طويلة. ولعل الفرق الأعمق أن الكلب حيوان نجح الإنسان في تدجينه وإخضاعه وتسخيره، بينما ظل الذئب، على امتداد التاريخ، عصياً على الترويض الكامل، محتفظاً بمسافته عن الإنسان وبرّيته الأولى. لذلك لا يحمل النباح أثراً صوتياً فحسب، بل أثر علاقة قوامها الطاعة والتبعية، في حين يبقى العواء صدى كائن حافظ على استقلاله في الفلاة ولم يقبل أن يتحول إلى تابع أو حارس في خدمة أحد.

وكلما سمعت هذا الأمر البغيض تذكرت ذلك العجوز في مخيم اليرموك. لم يكن يريد أكثر من ربطة خبز يحملها إلى أحفاده الجائعين، لكن زبانية النظام وجدوا في جوعه مادة للتسلية والسادية. قالوا له: اعوِ. فعوى. ثم أعادوا الأمر مرة ثانية وثالثة، حتى ملأ صوته المخيم والذاكرة معاً. غير أن الموجع حقاً ليس ما جرى لذلك الرجل وأمثاله من السوريين، بل في أن المشهدية نفسها نجت من سقوط من صنعها، واستمرت تتنقل بين الأفواه والبيئات والسياقات كأنها إرث خفي لا يشعر حاملوه بما فيه من قبح.

المشكلة لا تبدأ حين يبتكر المستبد أدوات إذلاله؛ فذلك شأن الطغاة والمستبدين في كل زمان. المشكلة تبدأ حين تتحول تلك الأدوات إلى لغة عامة في الخصومة، ومن ممارسة مرتبطة بوضاعة جلاد محدد إلى سلوك مألوف يراه بعض الناس مشروعاً أو مستحقاً. عندها لا يبقى الخطر محصوراً في مبتكرها الأول، بل يمتد إلى كل من يعيد إنتاجها وهو يظن أنه يمارس حقاً طبيعياً أو يحقق انتصاراً أخلاقياً.

لقد دفع السوريون أثماناً باهظة في السجون وتحت الجوع والإهانة، لكنهم يواجهون اليوم خطراً آخر: أن يحملوا أدوات جلاديهم دون أن يشعروا. فهذه العبارات ليست ألفاظاً عابرة، بل تعبير عن رؤية ترى الإذلال وسيلة مشروعة للغلبة، وتحطيم الكرامة جزءاً طبيعياً من الصراع. وحين تصبح لغة الجلاد متداولة بين ضحاياه، يكون الاستبداد قد حقق من قبره انتصاراً عجز عن تحقيقه في ذروة سلطته.

وعندما يُواجَه أصحاب هذا السلوك اليوم بالنقد يرددون حجتهم الجاهزة: “هم فعلوا هذا بنا”. والحجة صحيحة من حيث الوقائع؛ فما جرى موثق في الجسد والذاكرة معاً. لكن السؤال الأهم هو: ماذا تفعل بأداة قذرة صنعها من آذاك حين تقع في يدك؟ هل تكسرها أم تستخدمها؟ من يستعير لغة جلاده ويوجهها إلى خصمه لا ينتقم منه، بل يُتم ما بدأه. فالهزيمة الأعمق لا تقع تحت السوط، بل في اللحظة التي تنظر فيها إلى خصمك بالعين نفسها التي كان الجلاد ينظر بها إليك.

وتبلغ المأساة ذروتها حين تُستخدم هذه الأدوات ضد من كانوا في الخندق نفسه، لا لشيء إلا لأنهم اختلفوا في رأي أو موقف. عندها لا يعود الاستبداد بحاجة إلى الدفاع عن نفسه، لأن ضحاياه يتكفلون بإكمال مشروعه من الداخل.

ومع ذلك تبقى المفارقة الأكثر لذعاً في اللغة ذاتها. يريدون نباحاً فاستدعوا العواء. يريدون صورة الكلب الخاضع فتخرج من أفواههم صورة الذئب الأبي. يريدون رمز الطاعة والانكسار، فتسبقهم اللغة إلى رمز الأنفة والاستقلال. فالذئب في المخيال العربي ليس رمزاً للذل، بل الصابر للجوع، والطريد الذي لا يستجدي، والوحيد الذي يعيش في الفلاة بلا راعٍ ولا قيد ولا خضوع. فالجلاد يحاول أن يسلب أسيره كرامته، فيمنحه من حيث لا يدري صورة أكثر إباءً مما أراد. يطلب منه أن يكون كلباً، فيأمره، من حيث لا يشعر، أن يكون ذئباً. يبحث عن رمز للطاعة فيستحضر رمزاً للوحشة والاستقلال والعناد المقيم.

المفارقة لا تنتهي هنا. فأولئك الذين شهدنا منهم تحويل السجون إلى مسالخ، والجوع إلى أداة إذلال، والاغتصاب إلى موقف سياسي، حين يقعون اليوم في المصيدة، لا يستحقون اليوم أصلاً أن يُستعار لهم رمز بنبل الذئب. رمز للأنفة والصبر والقدرة على الاحتمال في القفر وعزة النفس، لا رمزاً للتشفي وابتكار فنون القهر. ولو أن صائديهم عرفوا من اللغة قدر ما يدّعون، لقالوا لهم ببساطة: «انبح». غير أن الجهل لا يكتفي بإنتاج القسوة، بل ينتج قسوة رديئة الصنع أيضاً.

وهكذا يغدو المشهد انكشافاً مضاعفاً: انكشافاً أخلاقياً لأن الجلاد لا يجد ما يثبت به سلطته سوى إذلال الجائعين والضعفاء، وانكشافاً ثقافياً لأن المتشدقين باللغة والتراث يعجزون عن التمييز بين نباح الكلب وعواء الذئب. فالعار لا يلتصق بمن أُجبر على إطلاق الصوت، بل بمن أراد الإهانة فعجز حتى عن اختيارها.

أما ذلك العجوز في مخيم اليرموك، الذي خرج يبحث عن ربطة خبز لأحفاده، فما زلت أسمع عواءه عبر السنوات والمسافات. ولم يكن عواء رجل جائع فحسب، بل عواء ذئب أُريد له بكل نذالة أن ينبح.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني