أطفال بهمم الرّجال

0 70

من بين البيوتِ المتهالكةِ، والشبابيكِ المعتمةِ في مدينتنا الطّالعةِ من رمادها، تتسلّل إلى الأسماع موسيقى مبهجة، تكسِرُ رتابةَ الضجيج، وتفتحُ نافذةً للفرح، وتُدغدغ القلبَ برنينٍ يشبه العيد، لينصاع ويحنو ويتبع اللّحن.

يُطلّ علينا محمد بعربته الصغيرة التي يدفعها بيدين صغيرتين اختبرتا خشونة الحياة، وبعزيمةٍ تدفّئ بردَ الصباح، بعد أن جالَ الحاراتِ والأزقّة، وعبَرَ الطّرقاتِ الوعرةِ الطّويلة.

يناديه الأطفال من النّوافذِ، وتركضُ الجدّات إلى الشّرفات لتغنّي معه، وتبتسمُ الأمهاتُ المشغولاتُ بأعمالهن، فثمّة لحنٌ يُوقظ غفلةَ الانشغال والتّذمّر، والتّعب.. ينادي:

“شعر بنات.. شعر بنات، للحلوين والحلوات”

فيلتفّ حوله الصّغار، يدير مكنةَ صنعِ الغزلةِ، ويضع بعض السّكّر من وعاءٍ كبيرٍ وضعه أسفل المكنة، وبدهشةٍ كبيرةٍ، يراقب الأطفالُ الحلوى وهي تتشكّل كالسّحر أمام أعينهم، يصنع لهم غيمةً كبيرةً من الحلوى، زهريّةً أو بيضاءَ تشبه أحلامهم..

يقول هذا البائع، واسمه محمد الخطيب “13 سنة”

إنّ فكرة بيع غزل البنات خطرَت له، بينما كان يبحث عن عمل، ليعيل أسرته بعد فقدان والده صغيراً، وكان عمره سنةً واحدةّ حينها.

وعندما كَبُرَ، لم يتهربْ، بل أخذَ على عاتقهِ أنْ يكون سندًا لعائلته، فترك الدراسةََ واختار العمل بإرادةٍ أكبر من عمره..

قام أحد أقاربه بتجهيز عربةٍ بسيطةٍ له، ليبدأ عمله بمسؤوليةٍ وفرحٍ كبير.

وعند سؤاله عن سبب توجّههِ لبيعِ الحلوى للأطفالِ قال:

“وين نلاقي رزقتنا نروح” و”الأطفال بكيّفوا عَ الغزلة، خصوصاً مع الأغنية”.

فقد بحث على الإنترنت عن أغنيةٍ مناسبةٍ فكانت أغنيةُ: “شعر بنات”.

أمّا هواية محمد فهي: “الحلاقة”، وقد حصل على شهادةٍ في مهنةِ الحلاقة لكنها: “ما تكسّب” كما يقول، أي لا يحصل على عائد جيّد منها، ربما يطوّر عمله بشكل أفضل في المستقبل.

وكانت فرحتة غامرة حين بادر أحد أبناء الحيّ بمنحهِ هديّةٍ بسيطةٍ اعترافاً بعزيمته وإخلاصه للعمل في هذا السن المبكّرة، في لفتةٍ تعبّر عن روح التّكافل بين أبناء الحيّ.

أثّر هذا المشروع في شخصيّته وحياته فيقول:

“غَيَّر كل شي، فجّر طاقة كبيرة عندي، وتمكّنت من شراء راوتر فضائيّ للبيت.

تعلّمتُ الصّبر، وتحمّل مشقة العمل”

يمرّ أحياناً بمضايقات الطّريق، وعبّر عن استيائه:

” في ناس ما يعاملوني منيح، يفكروني فقير وما بيعرفوا إنّي أغنى منهم”

ويقول في عزّة نفس بكلمات أكبر من عمره:

“أنا ما بشتغل بس عشان المصاري، الشّغل طاعة لله وكرامة وقيمة للإنسان”.

ويعتزّ بأمّه التي تشجّعه وتمدّه بالدّعاء والطّاقة.

يوجّه محمد رسالته للشّباب في قوله:

“لا تخافوا، ابدؤوا مشروعكم، والتّجارة مو خسارة، اصبروا تلاكوا ربح في النهاية”.

ويقول للصّغار:

“الغزلة كتير طيبة اشتروا منّي، مابتندموا”.

“محمد” ليس الوحيد، بل هو واحد من بين كثير من الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم، وبين عربة صغيرة وأكياس الغزلة، يترك درساً صامتاً لجيلٍ كاملٍ:

ليست كل الدروس تُؤخذ في المدارس، بعضها يُكتَب على الطرقات بعزيمةٍ لا تعرف العمر.

يلوّح لنا محمد ويبتعد وأكياس الغزلة تلمع في سماء المدينة كشمسٍ تبتسم بعد ليلٍ طويل.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني