
منطق العائد في الصدقة: توصيف المفارقة وإعادة توجيه الأثر (2-3)
إذا كان المقال الأول قد كشف كيف يتسلّل منطق العائد إلى فعل الصدقة، فإن التحدّي اليوم ليس في نفي هذا المنطق، بل في التعامل معه بواقعية. فالأفراد، في نهاية المطاف، لا يتخلّون عن فكرة الأثر، بل يسعون إلى تعظيمه. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يمكن تحويل هذا السعي من عامل تشوّه في توزيع الموارد إلى أداة تخدم الحاجات الأكثر إلحاحاً في المجتمع؟
المدخل الأول لا يبدأ من الاقتصاد، بل من المعنى. إذ لا يمكن تغيير سلوك المتبرّعين دون إعادة تعريف ما يُفهم بـالصدقة الجارية. حين يُقدَّم دعم التعليم أو تمويل الخدمات الصحية بوصفه أثراً مستمراً لا يقل قيمة عن بناء المساجد، فإننا لا نصطدم بالمنظومة القائمة، بل نوسّعها. هنا يصبح العائد الأخروي نفسه قابلاً لإعادة التوجيه، دون أن يفقد شرعيته في نظر الفاعلين.
لكن المعنى وحده لا يكفي. فجزء كبير من الإشكال مرتبط بوضوح الأثر. بناء مسجد فعل مباشر، مرئي، وسهل الفهم. في المقابل، تمويل مدرسة أو نظام صحي يبدو أكثر تعقيداً وأقل قابلية للقياس. لذلك، يصبح من الضروري إنشاء قنوات مؤسسية تجعل أثر التبرّعات واضحاً وقابلاً للتتبّع: كم طالباً تم تعليمه؟ كم خدمة صحية تم تقديمها؟ فكلما أصبح الأثر ملموساً، أصبح العائد أكثر إقناعاً.
في هذا السياق، يمكن للدولة أن تلعب دوراً تنظيمياً لا تدخلياً. ليس عبر فرض وجهة معيّنة للصدقات، بل عبر خلق بيئة تجعل التوجّه نحو القطاعات الأكثر حاجة خياراً منطقياً. يمكن تحقيق ذلك من خلال حوافز ضريبية، تسهيلات قانونية، أو شراكات مع مبادرات أهلية، بحيث لا يشعر المتبرّع أنه يضحّي بـعائده، بل يعيد توجيهه.
إلى جانب ذلك، يظل البعد الرمزي حاسماً. فكما يشير (Pierre Bourdieu)، لا يتحرّك الأفراد فقط بدافع المنفعة، بل أيضاً بدافع الاعتراف. حين يحظى التبرّع لبناء مسجد بمكانة اجتماعية أعلى من دعم التعليم، يصبح الاختيار محسوماً مسبقاً. لذلك، فإن إعادة توزيع الاعتراف عبر تكريم المتبرعين في مجالات حيوية وإبراز أثرهم يمكن أن تعيد تشكيل هذا التوازن.
ولا يمكن إغفال عامل الثقة. ففي بيئات تتراجع فيها الثقة بالمؤسسات، يميل الأفراد إلى اختيار مشاريع مباشرة وواضحة، حتى لو لم تكن الأكثر إلحاحاً. من هنا، تصبح الشفافية والمحاسبة شرطاً أساسياً لأي محاولة لإعادة توجيه الصدقات. فكلما زادت الثقة، اتسعت دائرة الخيارات المقبولة.
ومنه، لا يكمن الحل في كسر منطق العائد، بل في استيعابه. فبدل أن يكون هذا المنطق سبباً في انحراف الموارد، يمكن أن يتحوّل إلى أداة لإعادة توزيعها بشكل أكثر عدالة وفعالية. عندها، لا نفقد الصدقة روحها، بل نمنحها قدرة أكبر على الاستجابة لواقع المجتمع.