
تحت قبة البرلمان.. آفاق واعدة وآمال موعودة
أقسم أعضاء مجلس الشعب على أداء مهامهم بإخلاص وأمانة، وبدأ مشوار جديد في العمل التشريعي في سورية.
وأجدها مناسبة لأقدم للزملاء الجدد أطيب التهنئة بمسؤولياتهم الجديدة، وأهنئهم فرداً فرداً بالوصول إلى مجلس الشعب، وأرجو الله أن يحقق بهم الآمال.
والملاحظات كثيرة بالطبع وأولها القسم الدستوري الذي يفترض أن ينص على حماية الجمهورية السورية والإيمان بها وطناً لكل أهله، ولكن ذلك لا يلغي مسؤولية الأمة في الوعي بهذه الحقوق الرائعة للشعب السوري العظيم.
أهم استحقاقات المجلس في رأيي هو ولادة المؤسسة المدنية الأهم في الدولة السورية، لقد عرف السوريون منذ انتصار الثورة المجلس العسكري الذي أعلن قائد إدارة العلميات رئيساً للجمهورية العربية السورية، ولا زال الشعب يعيش أجواء النصر وظروفه ويقدم أعذاره للمحاربين وفاء لما أنجزوه من خلاص كبير من أعتى أنظمة الدكتاتورية والقمع في القرن الحادي والعشرين.
ولكن استمرار صوت الثورة والمعركة في كل مكان يعطل الحياة المدنية، ويقدم صورة لسورية كمجتمع محارب مقاتل، لا يغمد سيفه ولا ينزل عن حصانه، ولا يزال يتربص لأعداء الثورة في كل كور ودور، ولن يغمد السيف إلا في أعناق أولئك الذين تآمروا مع الاستبداد في معاناة الشعب السوري..
إن ثقافة كهذه تجعل الوطن مستنفراً سبعة على أربعة وعشرين، ستحول بكل تأكيد دون قيام نهضة تنموية حقيقية، وهي بالغة التأثير على الاستثمار الوافد ، فلا أحد يستثمر في أصوات المعارك وصيحات الثورة، فالاستثمار يبحث عن نظام مدني، ومؤسسة تشريعية مرنة وقوية، تواكب حاجاته وتوفر حمايته القانونية والمدنية.
في تقديري فإن أول مسؤوليات البرلمان الجديد هي تعزيز الحياة المدنية، وتحييد العسكر عن مرافق كثيرة في الدولة لصالح المدنيين، والإعلان عن سيادة القانون بدلاً من سيادة الثورة.
قد تبدو هذه المصارحات صادمة لبعضهم ولكن علينا أن نقول الحقيقة دون زخرفة، فالوطن العسكري مأزوم ومتربص، والثورة مرحلة لا بد أن تتطور إلى ثقافة الدولة حيث تسود شرعة القانون ومؤسسة الشورى مكان المحارب المقاتل مهما كان نبيلاً ومخلصاً ونقياً.
قوانين كثيرة تنتظر المجلس التشريعي، ولكن يجب أن نعلم أنهم لا يبدؤون من الصفر، فهناك تراث تشريعي كبير أنجزه أسلافهم بإخلاص وخبرة، ومن الضروري أن نراقب فيه أثر الاستبداد ونطهره من مفاعيله، ويجب أن نتخلص من فكرة تخوين الماضي كله، إلى منطق القرآن الكريم: نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.
وأول القوانين التي يحتاجها الناس هي تلك التي تعالج حاجات الطعام والغذاء والمساء وتقف في وجه تغول أسعار الطاقة، وهو الأمر الذي عجزت وزارة الطاقة بمفردها عن حله، ولكنها عبر آليات دستورية وتشريعية يمكن أن تتشارك مع هيئات أخرى في المجتمع للوصول إلى حلول توقف عناء الناس وتساعدهم على مواجهة قهر الحياة ومظالمها.
أما القانون الذي أمنحه الأولوية فهو قانون تجريم خطاب الكراهية والتحريض الديني والطائفي والمذهبي، وهذا القانون يشكل أولوية لشعب خار من حرب طاحنة أريقت فيها الدماء، واستعمل المحارب فيها أشد ما في مخزونه من خطاب الكراهية، وأسوأ ما في تاريخه من عنف وقهر، وهذا من طبائع الثورة وعاداتها، ولكنه بعد الثورة يشكل مقتلاً للحياة الكريمة المستقرة، وللسلم الأهلي.
لقد بدأت مجالس السلم الأهلي بالتوازي مع انطلاق مجلس الشعب، وستعقد جولة ثانية من مؤتمر السلم الأهلي خلال الشهر القادم، ويشكل مطلب قانون تجريم خطاب الكراهية أهم مخرجات المؤتمر في جولاته المتتالية، وهو ما يوفره الإعلان الدستوري الذي نص بوضوح على مساواة المواطنين في الحقوق والكرامة، ومنع الإساءة لها بأي معنى.
آمال كثيرة مطلوبة من النواب الكرام في المجلس الجديد، وآمل أن يستفيدوا من سقف الحرية المتاح في سورية، وأن يدركوا تماماً أنهم باتوا أحراراً في المجلس فلا سلطان لأي هيئة حكومية عليهم، ولا يملك أي مجلس وزاري أو رئاسي أو مخابراتي أو أمني أن يملي عليهم، وهناك جهة واحدة تحاسبهم هي القضاء الدستوري الذي يراقب التزامهم بالقانون، ويحاسبهم وفق القانون.