مجزرة جسر مصياف.. حافلة مدنية تحت النار وسؤال المسؤولية الغائبة

0 12

لم تكن الحافلة التي عبرت جسر مصياف مساء 30 أيلول/سبتمبر تحمل مقاتلين أو طرفًا في اشتباك مسلح، بل عمالًا وموظفين في طريق عودتهم إلى منازلهم من منطقة حسياء الصناعية بريف حمص الجنوبي. عند نحو الساعة التاسعة والنصف ليلًا، تحولت الرحلة اليومية إلى مجزرة، بعدما تعرضت الحافلة لإطلاق نار كثيف من مسلحين مجهولين، أودى بحياة سبعة مدنيين، بينهم شقيقان، وأصاب أربعة آخرين بجراح متفاوتة الخطورة.

بحسب توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وقع الهجوم في منطقة تخضع لسيطرة الحكومة السورية. وتقول الشبكة إن معلوماتها الأولية جرى التحقق منها عبر مصادر محلية مستقلة، وبيانات رسمية ومواد متاحة من المصادر المفتوحة، كما وثقت أسماء الضحايا السبعة في قاعدة بياناتها.

لكن الواقعة لا تتوقف عند عدد القتلى والمصابين. فالسؤال الذي يفرض نفسه بعد الهجوم هو: كيف يمكن لمسلحين مجهولين أن يستهدفوا حافلة مدنية على طريق عام، ثم تبقى هويتهم ودوافعهم ومسؤولياتهم غير معروفة؟

عمال وموظفون في طريق العودة

كانت الحافلة تقل عمالًا وموظفين عائدين من أعمالهم، قبل أن تصل إلى منطقة جسر مصياف وتتعرض لوابل من الرصاص. ولا تشير المعلومات التي نشرتها الشبكة إلى وجود اشتباك مسلح في المكان يفسر استهداف الحافلة أو يجعل ركابها طرفًا في مواجهة عسكرية.

وأفادت المعلومات الموثقة بأن قوات الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية السورية وصلت إلى الموقع بعد الحادثة، وطوقت المكان وبدأت التحقيقات. وفي الوقت نفسه، أكدت الشبكة أنها لا تزال تواصل جمع الأدلة والمعلومات ومراجعتها، ما يعني أن تفاصيل الهجوم، بما فيها هوية المنفذين ودوافعهم، لا تزال بحاجة إلى تحقيق مكتمل.

وهذه النقطة مهمة في قراءة الحادثة: المسلحون مجهولو الهوية بحسب المعلومات المتاحة حتى الآن، ولذلك لا يمكن نسبة الجريمة إلى جهة بعينها قبل ظهور أدلة قابلة للتحقق.

بين جريمة القتل وواجب الحماية:

تصف الشبكة السورية لحقوق الإنسان قتل المدنيين السبعة بأنه قتل خارج نطاق القانون، وتربطه بالحماية التي يكفلها الحق في الحياة بموجب المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ويؤكد التعليق العام رقم 36 للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن الحق في الحياة يشمل حماية الأفراد من الحرمان التعسفي من الحياة.

أما إصابة المدنيين الأربعة، فتتصل أيضًا بحق الشخص في الأمن والسلامة الجسدية. وتوضح لجنة حقوق الإنسان أن المادة التاسعة من العهد تحمي الأمن الشخصي، بما يشمل الحماية من الأذى الجسدي أو النفسي، حتى عندما لا يكون الضرر مفضيًا إلى الموت.

غير أن إثبات وقوع انتهاك لحقوق الإنسان لا يعني تلقائيًا إثبات مسؤولية الدولة عن فعل المسلحين. فهؤلاء ما زالت هويتهم غير معروفة، والمسؤولية القانونية للدولة عن أفعال جهات خاصة تتطلب بحثًا في مدى علم السلطات بالخطر، وقدرتها على منعه، والإجراءات التي اتخذتها للتحقيق والملاحقة والمحاسبة.

ومن هنا تنتقل القضية من سؤال من أطلق النار؟ إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: هل تستطيع السلطات تحديد من أطلق النار ومحاسبته؟

لاختبار يبدأ بعد الجريمة:

وصول قوات الأمن إلى المكان وتطويق موقع الحادث وبدء التحقيق يمثل الخطوة الأولى، لكنه لا يحسم القضية. فالقيمة الحقيقية للتحقيق ستظهر في قدرته على الحفاظ على الأدلة، وتحديد مسار الهجوم، وفحص ملابسات إطلاق النار، والوصول إلى هوية المنفذين، ثم إحالتهم إلى القضاء وفق إجراءات تضمن المحاكمة العادلة.

وتوصي الشبكة السورية بفتح تحقيق عاجل ومحايد وشفاف تحت إشراف جهات قضائية مستقلة، مع حماية الشهود وتوثيق الأدلة، وملاحقة جميع المتورطين وتقديمهم إلى محاكمات عادلة، إضافة إلى توفير الرعاية للمصابين وجبر الضرر لأسر الضحايا.

وتكتسب هذه التوصيات وزنًا إضافيًا لأن الضحايا لم يكونوا في موقع مواجهة مسلحة، بل كانوا في وسيلة نقل مدنية أثناء عودتهم من العمل. ومع ذلك، فإن التوثيق الأولي وحده لا يكفي لإثبات المسؤولية الفردية؛ فالانتقال من وصف الجريمة إلى تحديد مرتكبيها يحتاج إلى أدلة يمكن فحصها قضائيًا.

الأمن لا يقاس بعدد الحواجز:

تكشف حادثة جسر مصياف جانبًا أوسع من قضية الأمن في سوريا. فوجود أجهزة أمنية في المنطقة لا يعني بالضرورة أن جميع مصادر الخطر أصبحت تحت السيطرة، كما أن وقوع هجوم لا يثبت وحده تقصير جهة بعينها. المعيار الأهم هو قدرة المؤسسات على الاستجابة للحادث، وجمع الأدلة، والوصول إلى الجناة، ومنع تكرار الاعتداءات.

وفي هذا السياق، تصبح حماية المدنيين مرتبطة ليس فقط بمنع الجريمة قبل وقوعها، بل أيضًا بقدرة الدولة على إنتاج الحقيقة بعد وقوعها. فكلما بقيت هوية المنفذين مجهولة، ظل الضحايا وأسرهم أمام سؤال مفتوح، وبقي المجتمع أمام خطر أن تتحول الجرائم المجهولة إلى وقائع بلا مساءلة.

سبعة أشخاص خرجوا من أعمالهم في حسياء الصناعية ولم يصلوا إلى منازلهم، وأربعة آخرون يحملون آثار الهجوم. أما التحقيق، الذي بدأ في موقع الجريمة، فيواجه الآن الاختبار الأصعب: هل يستطيع أن يحول إطلاق النار المجهول إلى واقعة محددة المسؤولية، وأن ينقل القضية من سجل الضحايا إلى مسار قضائي يكشف الحقيقة ويحاسب من تثبت مسؤوليته؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني