
الاعتقال التعسفي في سوريا.. تراجع الأرقام واختبار ضمانات الحرية
تراجعت حالات الاحتجاز التعسفي التي وثقتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان في سوريا خلال الربع الثالث من عام 2026 إلى 13 حالة، بينها طفل واحد، مقارنة بـ246 حالة خلال النصف الأول من العام. لكن هذا الانخفاض لا يختصر وحده واقع ملف المعتقلين؛ إذ تتوزع الوقائع بين احتجازات منسوبة إلى القوات الإسرائيلية، وحالة منسوبة إلى قوات الحكومة السورية، وعمليات أمنية لمكافحة تنظيم داعش، واحتجازات في سياق ملاحقة متهمين بانتهاكات ارتُكبت خلال حكم النظام السابق.
ويكشف التقرير الربع سنوي الصادر في 2 تشرين الأول/أكتوبر عن ضرورة قراءة الأرقام ضمن سياقاتها المختلفة، لا بوصفها حصيلة واحدة متجانسة. فالتوقيف على خلفية الاشتباه، والاحتجاز التعسفي، والإفراج من مراكز الاحتجاز، وتحرير المخطوفين، كلها وقائع تتباين في طبيعتها القانونية وظروفها.
وتؤكد الشبكة أن أرقامها تمثل الحد الأدنى للحالات التي تمكنت من توثيقها والتحقق منها وفق منهجيتها، ولا تعكس بالضرورة كامل الوقائع.
توزعت الحالات الـ13 التي وثقتها الشبكة خلال الفترة الممتدة من تموز/يوليو إلى أيلول/سبتمبر على خمس حالات في تموز، وسبع في آب، وحالة واحدة في أيلول. وسجل آب أعلى حصيلة، بنحو 53.8% من إجمالي الحالات.
وتبدو المقارنة مع النصف الأول من العام أكثر دلالة على حجم التراجع؛ إذ وثقت الشبكة 246 حالة خلال الأشهر الستة الأولى، بينها 210 حالات في الربع الأول وحده، أي نحو 85.4% من حصيلة النصف الأول.
لكن انخفاض الحالات المسجلة لا يكفي، بمفرده، لإثبات تحسن شامل في أوضاع الاحتجاز أو أداء المؤسسات المعنية. فالتقرير يقدم حصيلة توثيقية لفترة محددة، بينما يتطلب تقييم الواقع الأوسع النظر أيضاً في أماكن الاحتجاز، ومصير المختفين قسراً، ومدى توافر الرقابة القضائية، وإمكانية وصول المحتجزين إلى محامين وذويهم.
وبحسب تصنيف الشبكة للجهات المنفذة، نُسبت 12 حالة، بينها حالة طفل، إلى قوات الاحتلال الإسرائيلي، بنسبة 92.3%، فيما نُسبت حالة واحدة إلى قوات الحكومة السورية، وطالت ناشطاً إعلامياً.
جغرافياً، تركزت الحالات في درعا والقنيطرة، بواقع ست حالات في كل محافظة، وجميعها نُسبت إلى القوات الإسرائيلية، إضافة إلى حالة في حماة نُسبت إلى قوات الحكومة السورية.
الإفراج لا يعني بالضرورة انخفاض عدد المحتجزين
وثقت الشبكة 18 حالة إفراج خلال الربع الثالث، بينها حالة طفل، وجميعها لأشخاص كانوا محتجزين لدى قوات الاحتلال الإسرائيلي. ويتجاوز هذا العدد حالات الاحتجاز الجديدة الموثقة خلال الفترة نفسها بست حالات، إلا أن المقارنة الحسابية لا تعني بالضرورة تراجعاً صافياً في أعداد المحتجزين.
فبحسب التقرير، تتعلق 12 حالة إفراج بأشخاص احتُجزوا خلال الربع الثالث نفسه، بينما تخص الحالات الست الأخرى أشخاصاً احتُجزوا في فترات سابقة. ولذلك لا يمكن التعامل مع الفرق بين الإفراجات والاحتجازات الجديدة بوصفه مؤشراً مباشراً على حجم المخزون الفعلي للمحتجزين.
وتعيد هذه النقطة ملف المعتقلين إلى مسألة أكثر جوهرية: معرفة أماكن الاحتجاز، وتسجيل أسماء المحتجزين، وإبلاغ ذويهم، وتمكين الجهات المختصة من متابعة أوضاعهم، وهي ضمانات لا يقل غيابها خطورة عن واقعة التوقيف نفسها.
بين مكافحة الجريمة ومكافحة الإرهاب
يفصل التقرير بين الحصيلة الرئيسة ووقائع أخرى ذات طبيعة مختلفة. فقد وثق تحرير شخصين اختطفتهما عصابات إجرامية، بعد تدخل قوات الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية السورية، التي أعلنت تحريرهما وإلقاء القبض على عدد من المتورطين في الخطف والابتزاز.
كما عرض عمليتين أمنيتين استهدفتا خلايا لتنظيم داعش في المنطقة الجنوبية والقنيطرة، وأسفرتا عن توقيف أشخاص للاشتباه بارتباطهم بالتنظيم.
وفي عملية خان أرنبة بالقنيطرة، أُوقف تسعة أشخاص، قبل أن تعلن وزارة الداخلية ثبوت تورط ثلاثة منهم، وعدم ثبوت تورط الستة الآخرين، مع تقديم اعتذار لهم ولعائلاتهم عن فترة التوقيف والإجراءات الاحترازية.
وتكتسب هذه الواقعة أهميتها من التمييز بين الاشتباه والمسؤولية الجنائية. فالتوقيف قد يكون إجراءً للتحقيق، لكنه لا يشكل دليل إدانة، ولا يعفي السلطات من واجب مراجعة قانونية الاحتجاز والإفراج عمن لا يتوافر أساس قانوني لاستمرار توقيفه.
المحاسبة لا تنفصل عن المحاكمة العادلة
وفي مسار منفصل، وثقت الشبكة 37 حالة احتجاز، بينها سيدة، في سياق ملاحقة أشخاص متهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة خلال حكم نظام الأسد. وشملت الحالات عشر محافظات، تصدرتها اللاذقية بـ19 حالة، تلتها دمشق بأربع، ثم حماة وإدلب بثلاث حالات لكل منهما.
وتضمنت العمليات عسكريين سابقين، بينهم ضباط ذوو رتب قيادية، وموظفين حكوميين، وأفراداً في مجموعات مسلحة قاتلت إلى جانب قوات النظام السابق.
ولا تُدرج هذه الحالات ضمن الحصيلة الرئيسة للاحتجاز التعسفي، لاختلاف سياقها، لكن ذلك لا يخرجها من نطاق الضمانات القانونية. فالمحاسبة عن الانتهاكات السابقة لا تستقيم إلا على أساس المسؤولية الجنائية الفردية، وقرينة البراءة، وحق الدفاع، والمحاكمة العادلة، بعيداً عن العقوبة الجماعية أو التوقيف المفتوح بلا مراجعة قضائية.
الحرية الشخصية معيار بناء الثقة
يربط التقرير ضمانات الاحتجاز بالمادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر الحرمان التعسفي من الحرية، وتكفل إبلاغ الموقوف بأسباب توقيفه، وتمكينه من الطعن في قانونية احتجازه، وعرضه سريعاً على سلطة قضائية مختصة.
كما يثير الاحتجاز المنسوب إلى القوات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية التزامات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما يشمل تسجيل المحتجزين، وإخطار ذويهم، واحترام الضمانات المقررة للأشخاص الخاضعين للسيطرة الفعلية.
وتدعو الشبكة إلى الكشف عن مصير المختفين قسراً، والإفراج عن المحتجزين تعسفياً، ونشر معلومات عن أماكن الاحتجاز وإخضاعها لرقابة قضائية مستقلة، والتحقيق في ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة، وحماية السجلات والأدلة المتعلقة بملف المعتقلين.
إن تراجع الحصيلة الموثقة خلال الربع الثالث تطور يستحق المتابعة، لكنه ليس نهاية السؤال الحقوقي. فالمعيار الأعمق لا يتمثل في عدد من أُوقفوا أو أُفرج عنهم فحسب، بل في قدرة المؤسسات على ضمان ألا يتحول الاشتباه إلى عقوبة، وألا يصبح الاحتجاز خارج الرقابة، وأن تخضع ملاحقة المتهمين بالانتهاكات للقانون ذاته الذي يحمي ضحاياهم.
وفي بلد ما زال ملف المعتقلين والمختفين قسراً أحد أثقل إرثه الحقوقي، لا تُبنى الثقة بمجرد انخفاض الأرقام، بل بضمان أن تكون الحرية حقاً مصوناً، وأن تكون المحاسبة طريقاً إلى العدالة لا باباً لانتهاك جديد.