
سوريا وفخ الهويات
منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، لم تعد سوريا مجرد بلد يعاني من حرب أهلية مدمرة. تحولت إلى أرض يتصارع فيها الناس على الهويات. كل جماعة سواء كانت سنية، أو علوية أو كردية أو مسيحية أو غيرها بدأت تنظر إلى نفسها كضحية تاريخية، وترى في الآخر عدواً يهدد وجودها. الهوية التي كانت يوماً مصدر فخر وانتماء، تحولت إلى فخ كبير يقسم المجتمع إلى كتل متنافرة، ويحول السوريين إلى جزر معزولة بدلاً من شعب واحد متماسك.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، تغيرت طبيعة الصراعات في العالم. حلت الهوية محل الطبقة الاجتماعية، وغلبت الثقافة على الاقتصاد. وفي سوريا تجلى هذا التحول بأقسى صوره. خطابات الهوية بنيت على تمجيد الذات وعلى شيطنة الآخر. كل طرف يردد «نحن الأصليون»، و«هم الغزاة»، و«نحن المظلومون»، و«هم الظالمون». غذت هذه الخطابات مظلوميات حقيقية، لكنها استُغلت أيضاً لإشعال نار الفتنة والانتقام. النتيجة كانت تفتت الدولة الوطنية، وتحول سوريا إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية. قوى إقليمية ودولية لم تتردد في نفخ النار في الهويات لتفكيك البلد من الداخل، فأصبحت الهويات الفرعية تهديداً وجودياً للوحدة السورية.
ومع مرور السنين، ظهر فراغ عميق. تراجعت المشاريع الكبرى سواء القومية والإسلام السياسي واليسارية فملأ هذا الفراغ مزيج من الخوف والغضب والحرمان. هنا دخلت الشعبوية، مستغلة معاناة الناس لتقدم حلولاً بسيطة تجمع بين الوعود البراقة والسلطوية. إنها مرض العصر الحديث، تشبه الفاشية في قدرتها على استعداء الآخر واستثمار الخوف.
لكن الخروج من هذا الفخ لا يزال ممكناً، إذا تحملت جميع الأطراف مسؤولياتها.
على السلطة أن ترفع راية المواطنة فوق كل الهويات، وتجعلها إضافة إلى الوطن لا سبباً لتمزيقه. يجب أن تسن تشريعات تجرم خطاب الكراهية والتحريض، وتعمل على مصالحة وطنية حقيقية تعترف بالتعدد السوري دون أن تسمح له بأن يتحول إلى انقسام. كما عليها أن تستبق المشكلات بمعالجة جذور الحرمان من خلال عدالة اجتماعية حقيقية، وفرص متساوية لكل السوريين، ومشروع وطني جامع يركز على الإعمار والمستقبل المشترك بدلاً من الماضي الأليم.
أما النخب سياسياً ودينياً وإعلامياً وثقافياً فعليها مراجعة خطاباتها جذرياً، ونبذ التعبئة الطائفية، والترويج لقيم التسامح والتعايش، وإنتاج رواية وطنية بديلة تجمع بدلاً من أن تفرق.
وعلى المجتمع المدني أن يلعب دور الوسيط الأمين، فيكشف ممارسات الكراهية أينما وجدت، ويطلق مبادرات مصالحة شعبية، ويدافع عن حقوق الضحايا دون تمييز هوياتي، ويضغط من أجل قوانين تحمي التنوع وتعاقب التحريض.
بدون تضافر جهود السلطة والنخب والمجتمع المدني، سيبقى الخروج من الفخ حلماً بعيد المنال.
في النهاية، الديمقراطية هي الطريق الأفضل والأكثر استدامة. ليست الديمقراطية مجرد صناديق انتخاب، بل هي نظام يحمي كرامة كل مواطن، ويحترم تنوع الهويات، ويبني على الأمل لا على الخوف. هي التي تسمح للسوريين بأن يعيشوا معاً كشركاء متساوين في وطن واحد.
الأمل لا يزال موجوداً، لكن الوقت يضيق. فإما أن ننهض جميعاً لنهزم شيطنة الآخر، أو نبقى أسرى فخ الهويات إلى الأبد.