
سوريا وصراع البنى
يقول ماركس: إن البشر يصنعون تاريخهم، لكنهم لا يصنعونه على هواهم لا يصنعونه إلا ضمن شروط لا يختارونها.
إن تفسير النكوص التاريخي بهزيمة خطاب الحداثة ليس صحيحاً أبداً؛ بل إن هزيمة خطاب الحداثة تعود إلى التاريخ الواقع، ذلك أن أي تفسير للتاريخ لا يستند إلى الوقائع ليس تفسيراً؛ فالوقائع هي التي هزمت خطاب الحداثة.
ولو تناولنا التجربة السورية، ونظرنا إليها من المنهج البنيوي، فسنجد ما يأتي:
كانت سوريا، المستقلة حديثاً، سائرة في طريق الرأسمالية، والرأسمالية تشكيلة اقتصادية، اجتماعية، أهم ما ينتج عنها توحيد المجتمع عبر توحيد السوق، وقيام الدولة الرأسمالية بعملية تحطيم البنى ما قبل الرأسمالية، فالإنتاج الزراعي الرأسمالي يحطم العلاقات الفلاحية التقليدية، وما يرافقها من قيم وعادات ووعي.
وقد أدى انقطاع حركة التطور الرأسمالي السوري، بسبب الوحدة السورية – المصرية والانقلابات العسكرتارية البعثية، من انقلاب 1963 إلى انقلاب 1966، ثم إلى أسوأ انقلاب، وهو انقلاب حافظ الأسد عام 1970، إلى انقطاع التطور الطبيعي السوري قبل إنجاز الحد الأدنى مما كان يجب إنجازه رأسمالياً، وإلى بقاء أساس البنى القديمة واستعادتها على نحو تعصبي.
لم تفشل الجماعة الحاكمة، التي استولت على السلطة عام 1970، في بناء الدولة الحديثة لأنها حاولت ذلك وانتصر العائق التاريخي عليها؛ بل لأن قيام دولة حديثة، في الأصل، لم يكن ضمن استراتيجية حكمها، إذ كان هدفها الرئيس هو البقاء في السلطة عبر قوة مسلحة عنفية ذات عصبية ضيقة، وكانت تقيم علاقاتها مع بنى مجتمعية ما قبل الدولة؛ لأن بناء الدولة لا يستقيم مع سلطة ذات عصبية ضيقة تحكم بالقوة.
كان لابدّ، من أجل تحقيق ذلك، من توفير مؤسسات القوة العنفية منذ السنوات الأولى، من جهة، وتوفير الأشكال الخارجية التي لا توحي بالعصبيات الضيقة، من جهة ثانية، والتي ستخضع بدورها لمؤسسات القوة.
فكانت مؤسسة الجيش التعبير الأبرز عن استمرار البنية التقليدية الريفية، من جهة، والمناطقية والطائفية، من جهة ثانية. وداخل هذه المؤسسة نمت أسوأ ظاهرة عسكرية في تاريخ بلدان العالم، منفلتةً من عقالها: من ظاهرة أمراء الجيش إلى ظاهرة «سرايا الدفاع» وما شابهها، والتي قامت على مبدأ الاستباحة خارج أي سلطة عليها؛ من استباحة القيم إلى استباحة الحق بكل أنواعه.
ثم كان تأسيس مؤسسة العنف المطلق، فكانت أجهزة الأمن بكل أنواعها، وقد تحولت إلى سلطة مطلقة. ولم يكن همّها الحفاظ على السلطة عبر العنف غير المسبوق فحسب، بل الحفاظ على البنى التقليدية للحيلولة دون قيام مجتمع المواطنة أيضاً.
كل ذلك ترافق مع تحطيم للنخبة الأهلية والاقتصادية، الريفية والمدينية، ومن جميع الطوائف الإسلامية والمسيحية، تلك النخبة التي كانت تتمتع بسلطة أخلاقية واجتماعية. وقد تحولت فروع الأمن ومفارزها ومخبروها، وبعض قيادات المؤسسات الحزبية، إلى بديل مفروض، ولكنه غير معترف به أخلاقياً.
لم تدرِ الجماعة الحاكمة أنها، بسياستها هذه، وبحرمان المجتمع من تكوين شخصيته السياسية والمدنية والاقتصادية خوفاً منه، أبقت على البنى التي ليس باستطاعتها أن تلجم عنفها حين يصير الصراع صراعاً بين بنى.
وفي صراع البنى، أعلن التاريخ الواقعي هزيمة مشروع الحداثة الفكري والواقعي، ليس في سوريا فحسب، بل في كل البلدان التي شهدت انقلابات عسكرية بذهنية المُلكية المقدسة. فانقطاع التطور الطبيعي دون بديل طبيعي يندرج في تطوير البنى يؤدي إلى النكوص التاريخي.