المساءلة الجنائية في سوريا الجديدة: هل ينجح القضاء السوري في محاكمة إرث الأجهزة الأمنية؟

0 10

حين تدخل جرائم النظام السابق قاعة المحكمة:

للمرة الأولى منذ سقوط نظام بشار الأسد، تجد واحدة من أبرز الشخصيات الأمنية نفسها أمام القضاء السوري، في محاكمة تتجاوز شخص المتهم إلى اختبار تاريخي لقدرة الدولة السورية الجديدة على بناء عدالة حقيقية بعد عقود طويلة من القمع المنهجي.

ففي 21 أيار/مايو 2026، أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريراً قانونياً تحليلياً تناول إجراءات التقاضي وقرار الاتهام بحق العميد الركن عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، في واحدة من أكثر القضايا حساسية في مسار العدالة الانتقالية السورية.

القضية لا تتعلق فقط بمحاسبة مسؤول أمني سابق، بل بسؤال أعمق وأكثر خطورة: هل يمتلك القضاء السوري اليوم الأدوات القانونية والمؤسساتية لمحاكمة جرائم بحجم ما ارتُكب في سوريا، دون الوقوع في فخ العدالة الانتقائية أو الانهيار الإجرائي أمام معايير القانون الدولي؟

إنها لحظة تختبر فيها سوريا الجديدة معنى الانتقال من دولة الأجهزة الأمنية إلى دولة القانون.

محاكمة تستحضر ذاكرة الثورة السورية الأولى:

تنظر المحكمة الجنائية الرابعة في دمشق في القضية برئاسة القاضي فخر الدين العريان، بعدما عُقدت الجلسة الأولى في 26 نيسان/أبريل 2026، بحضور عاطف نجيب شخصياً، فيما جرت الملاحقة غيابياً بحق ثمانية متهمين آخرين، أبرزهم بشار الأسد وماهر الأسد وعدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين.

وفي جلسة 10 أيار/مايو، أعلنت المحكمة المتهمين الغائبين فارين من وجه العدالة، ووضعت أصولهم تحت إدارة الدولة استناداً إلى المادة 322 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، فيما سُجل خمسون مدعياً بصفات مدنية، مع بقاء باب الادعاء مفتوحاً أمام مزيد من الضحايا.

وتعيد وقائع القضية السوريين إلى اللحظات الأولى لانفجار الثورة في درعا عام 2011، حين تحولت الاعتقالات والتعذيب وإطلاق النار على المتظاهرين إلى الشرارة التي فتحت أبواب البلاد على واحدة من أكثر المآسي دموية في تاريخ سوريا الحديث.

من التعذيب إلى القتل… لائحة اتهام تكشف بنية الرعب:

تكشف لائحة الاتهام صورة متكاملة عن آليات القمع التي أدارتها الأجهزة الأمنية في درعا خلال الأشهر الأولى للاحتجاجات الشعبية.

فالوقائع المنسوبة إلى المتهمين تشمل:

  • الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري.
  • التعذيب بالصعق الكهربائي والضرب المبرح.
  • وفاة معتقلين تحت التعذيب بينهم أطفال.
  • المشاركة في إصدار أوامر إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين.
  • اقتحام المسجد العمري.
  • نشر القناصة فوق المباني الحكومية.
  • منع إسعاف الجرحى واحتجاز سيارات الإسعاف.
  • استخدام الاعتقال وسيلة للترهيب والضغط على العائلات

هذه الاتهامات لا تقدم صورة عن تجاوزات فردية معزولة، بل تكشف بنية قمع متكاملة استخدمت فيها مؤسسات الدولة كأدوات منظمة لإنتاج الخوف والعنف المنهجي.

اختبار قانوني معقد… ثغرات قد تهدد المحاكمة:

ورغم الأهمية السياسية والحقوقية للمحاكمة، يحذر تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان من ثغرات قانونية وبنيوية قد تهدد سلامة الإجراءات وتفتح الباب أمام الطعن بالأحكام مستقبلاً.

أولى هذه الثغرات تتمثل في غياب تعريف الجرائم الدولية داخل القانون السوري، إذ لا يتضمن التشريع المحلي تعريفاً واضحاً للجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب أو الإبادة الجماعية أو الاختفاء القسري أو مسؤولية القيادة.

أما الثغرة الثانية، فتتعلق بالأساس القانوني الذي اعتمدته لائحة الاتهام، إذ استندت إلى المادة 53 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات بوصفها أساساً لتوصيف الجرائم ضد الإنسانية، رغم أن هذه المادة لا تنشئ مسؤولية جنائية فردية ولا تعرّف الجرائم الدولية.

كما يلفت التقرير إلى إشكالية مرتبطة بمبدأ عدم رجعية القوانين، بعد استثناء الجرائم الدولية المنسوبة إلى “النظام السابق” من الحماية المرتبطة بعدم الرجعية في الإعلان الدستوري الانتقالي، ما يثير نقاشاً قانونياً حساساً في ضوء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

ويشير التقرير أيضاً إلى جدل قانوني حول توصيف أحداث درعا عام 2011 كجرائم حرب، بينما تعتبر تقديرات قانونية دولية أن النزاع المسلح غير الدولي في سوريا لم يبلغ عتبته القانونية إلا خلال عام 2012، ما قد يجعل بعض التوصيفات عرضة للطعن القضائي.

أما الثغرة الخامسة، فتتعلق بإجراءات المحاكمة الغيابية، في ظل غياب توثيق كامل لمحاولات تبليغ المتهمين الفارين أو تأكيد تعيين محامين يمثلون مصالحهم الإجرائية، بما قد يثير تساؤلات حول معايير المحاكمة العادلة.

هل ينجح القضاء السوري في بناء عدالة تصمد دولياً؟

يرى التقرير أن الطريق الأكثر تماسكاً قانونياً يتمثل في اعتماد تعريف الجرائم ضد الإنسانية وفق القانون الدولي العرفي، كما ورد في المادة السابعة من نظام روما الأساسي، وربط ذلك بالمادة 12 من الإعلان الدستوري الانتقالي السوري.

كما يشدد على ضرورة الفصل القانوني الدقيق بين مسؤولية عاطف نجيب ومسؤولية بشار الأسد، وتحديد أنماط المسؤولية الفردية بصورة واضحة، خصوصاً ما يتعلق بإصدار الأوامر المباشرة أو ارتكاب الجرائم عبر أجهزة الدولة.

وفي هذا السياق، تبدو المحاكمة أبعد من مجرد ملف قضائي؛ إنها اختبار حقيقي لقدرة سوريا الجديدة على تأسيس قضاء مهني ومستقل قادر على الصمود أمام التدقيق الدولي.

فأي خلل قانوني أو تسييس للإجراءات لن يهدد هذه القضية وحدها، بل قد يضرب ثقة السوريين بمسار العدالة الانتقالية بأكمله.

بين العدالة والانتقام… المعركة على مستقبل الدولة:

تكشف محاكمة عاطف نجيب أن سوريا لا تواجه فقط مهمة محاسبة أفراد، بل مهمة إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والقانون بعد عقود طويلة من الاستبداد والخوف.

فالعدالة الانتقالية لا تُقاس بعدد المسؤولين الذين يمثلون أمام المحكمة، بل بقدرة القضاء على بناء سجل قانوني مهني ومستقل يمنع تحويل المحاكم إلى أدوات انتقام سياسي أو تصفية حسابات تحت غطاء العدالة.

اليوم، يقف السوريون أمام لحظة مفصلية: إما تأسيس قضاء يفتح الطريق نحو دولة الحقوق والمؤسسات، أو السقوط مجدداً في دوامة العدالة الانتقائية التي استخدمتها الأنظمة السلطوية دائماً لإعادة إنتاج الخوف.

ويبقى السؤال الأخطر مفتوحاً أمام سوريا الجديدة:

هل تستطيع الدولة التي خرجت من تحت أنقاض الأجهزة الأمنية أن تبني عدالة تحاسب الجريمة… دون أن تتحول هي نفسها إلى نسخة جديدة من سلطة الانتقام؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني