
يتصاعد في ألمانيا النقاش بشأن مستقبل اللاجئين السوريين، بين دعوات سياسية لتشجيع العودة ومراجعة ملفات الحماية، ومواقف تحذر من التسرع في اعتبار سوريا بلداً آمناً. ومع تغير المشهد السياسي في دمشق بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، عاد ملف اللجوء السوري إلى واجهة التجاذبات الحزبية، وسط تساؤلات عن حدود الإجراءات الممكنة ومصير مئات الآلاف ممن بنوا حياتهم في ألمانيا.
يرى المهندس جمال قارصلي، السياسي الألماني من أصول سورية والعضو السابق في برلمان ولاية شمال الراين – وستفاليا، أن ملف اللجوء أصبح ورقة سياسية تستخدمها أحزاب اليمين المتطرف لتعزيز حضورها، فيما تلجأ إليه بعض الحكومات لتغطية إخفاقاتها. لكنه يميز بين الخطاب الانتخابي والقرارات الحكومية الفعلية، وبين مراجعة الحماية وإعادة السوريين بصورة جماعية.
تشدد حزبي وتسوية حكومية:
يلاحظ قارصلي تحولاً في مواقف الأحزاب الألمانية بعد سقوط النظام السوري. فالتحالف المسيحي الديمقراطي والاجتماعي (CDU/CSU) يدفع نحو مراجعة أوضاع السوريين وتشجيع العودة، مع إعطاء الأولوية للمجرمين ومن يشكلون خطراً أمنياً، بينما يذهب حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) أبعد من ذلك، مطالباً بإنهاء الحماية وتوسيع نطاق الإعادة.
في المقابل، يتبنى الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) موقفاً أكثر توازناً؛ إذ لا يعارض عودة من انتفت أسباب حمايتهم، لكنه يرفض التعامل مع السوريين باعتبارهم مجموعة واحدة. كما يعارض الخضر واليسار الترحيل إلى مناطق غير آمنة، ويدافعان عن حماية الفئات المعرضة للخطر، ولا سيما الأقليات والنساء والمعارضين.
ويشير قارصلي إلى أن الحكومة الائتلافية، التي تجمع الاتحاد المسيحي والاشتراكي الديمقراطي، محكومة بالتوافق بين أطرافها؛ لذلك لا يمكن اختزال سياستها في برنامج حزب واحد. فتصاعد الخطاب المتشدد لا يعني صدور قرار بإعادة جميع السوريين أو إلغاء الحماية عنهم بصورة جماعية.
الاقتصاد والهجرة: مفارقة ألمانية
لا يفصل قارصلي تصاعد خطاب العودة عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه ألمانيا، من تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف المعيشة والسكن إلى الأعباء التي تتحملها البلديات في الخدمات والإسكان. لكنه يحذر من تحميل الهجرة مسؤولية أزمات لها أسباب أعمق؛ فأزمة السكن، مثلاً، ترتبط أيضاً بنقص البناء وارتفاع تكاليف الإنشاء والتمويل، فيما تتداخل عوامل بنيوية متعددة في مشكلات البلديات.
وفي المقابل، تبرز حاجة ألمانيا إلى العمالة، ومساهمة السوريين في سوق العمل والاقتصاد. ويستشهد قارصلي ببيانات وكالة العمل الاتحادية لشهر أيلول/سبتمبر 2024، التي أظهرت وجود نحو 287 ألف سوري يعملون في ألمانيا، بينهم 236 ألفاً في وظائف خاضعة للتأمينات الاجتماعية.
ويرى أن تصوير السوريين باعتبارهم عبئاً فقط يتجاهل مساهمتهم في الإنتاج والضرائب وأنظمة التأمين، مؤكداً أن نجاح سياسة الهجرة لا يقاس بعدد المغادرين، بل بقدرتها على تحقيق الاندماج والاستفادة من طاقات المقيمين.
مراجعة الحماية لا تعني الترحيل التلقائي
على الصعيد القانوني، يوضح قارصلي أن سقوط النظام السوري يتيح مراجعة أسباب منح الحماية، لكنه لا يؤدي تلقائياً إلى إسقاطها عن جميع السوريين. فكل حالة تستلزم دراسة ظروفها الفردية، ومدى زوال أسباب الخطر، وإمكان استمرار التهديد بسبب المواقف السياسية أو الانتماء الديني أو الإثني أو غيرها من الظروف الشخصية.
ويشدد على ضرورة التمييز بين سحب صفة الحماية، وإنهاء تصريح الإقامة، ووجوب مغادرة البلاد، والتنفيذ الفعلي للترحيل؛ فهذه إجراءات قانونية مختلفة، ولا يؤدي أحدها بالضرورة إلى الآخر بصورة آلية. كما أن الإقامة الدائمة أو الإقامة المستندة إلى العمل أو التدريب لها أسس قانونية مستقلة ينبغي فحصها، ولا تسقط تلقائياً لمجرد مراجعة صفة الحماية السابقة.
وينصح السوريين بالاحتفاظ بوثائق العمل والدراسة والتدريب، وعدم اتخاذ قرارات متسرعة عند تلقي أي إخطار رسمي، والاستعانة بمحامٍ مختص لتحديد الوضع القانوني والخيارات المتاحة.
العودة ثمرة الاستقرار لا بديلاً عنه:
في تقييمه لفرص العودة، يؤكد قارصلي أنها حق إنساني ينبغي أن تكون طوعية وآمنة وكريمة، لا نتيجة ضغط سياسي أو خوف من فقدان الإقامة. فسقوط النظام وحده لا يكفي لإعلان سوريا بلداً آمناً؛ إذ يتطلب ذلك توافر الأمن والاستقرار وفرص العمل والسكن والخدمات الصحية والتعليمية، إلى جانب ضمان الحقوق والحريات.
ويرى أن الحديث عن عودة جماعية وفورية يتجاهل تعقيدات الواقع السوري واستمرار التحديات. كما يدعو إلى أخذ التحذيرات الألمانية من السفر إلى سوريا في الاعتبار، مع عدم الخلط بينها وبين التقييم القانوني الفردي لملفات الحماية.
ويتوقع قارصلي أن تكون العودة، إذا توافرت شروطها، تدريجية، بالتوازي مع مراجعة بعض ملفات الحماية. وفي المقابل، ستظل المسارات متعددة: استمرار الإقامة لمن يملكون أساساً قانونياً مستقراً، ومراجعة أوضاع آخرين، والعودة الطوعية لمن يرغب ويستطيع، واستمرار الحماية لمن لا يزالون معرضين للخطر.
ويختتم قارصلي برسالة إلى السوريين وألمانيا معاً: على السوريين تعزيز ثقتهم بأنفسهم والاهتمام باستقرارهم القانوني والمهني، وعلى ألمانيا أن تقيس قوة ديمقراطيتها بمدى احترام حقوق الإنسان والتزاماتها، لا بمجرد ضبط الحدود وزيادة أعداد المرحّلين.
فالاندماج الناجح، في نظره، ليس عبئاً ينبغي التخلص منه، بل إنجاز إنساني واقتصادي يمكن أن يشكل جسراً بين ألمانيا وسوريا. العودة يجب أن تكون ثمرة الاستقرار، لا بديلاً عنه.