السوريون في ألمانيا.. من المغترب إلى الجسر الاقتصادي بين سوريا وألمانيا

0 41

قد لا يحمل السوري في ألمانيا رأس مال كبيراً، لكنه قد يحمل ما يفتح باباً كاملاً أمام سوريا: معرفة بالسوق، وخبرة في العمل، وعلاقات مع شركات ومؤسسات، وقدرة على فهم الاقتصاد الألماني من الداخل. وفي مرحلة تتطلع فيها سوريا إلى إعادة بناء اقتصادها والانفتاح على العالم، تتحول هذه الخبرات المتراكمة إلى ثروة يمكن أن تربط الوطن بمحيطه الأوروبي.

المهندس فهمي النجار، الذي عاش في ألمانيا سنوات طويلة وعمل في مجال التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، يرى أن السوريين في الخارج قادرون على أداء دور يتجاوز حدود الاغتراب، وأن بإمكانهم أن يصبحوا جسوراً اقتصادية بين سوريا والبلدان التي يعيشون فيها.

ويختصر النجار رؤيته بالقول: «أتمنى أن يستطيع كل سوري هاجر من سوريا إلى كل دول العالم، ويحب بلده، أن يكون جسراً للربط الاقتصادي بين الدول التي يعيش فيها، والخبرة التي اكتسبها خلال حياته وغربته، وبين بلده الأصلي سوريا».

الاغتراب يتحول إلى رصيد:

هذه الرؤية تعيد تعريف قيمة السوري المقيم في ألمانيا. فالمغترب لا يملك بالضرورة شركة أو مشروعاً استثمارياً، لكنه قد يمتلك معرفة مباشرة بقطاع اقتصادي، أو علاقة بصناعي، أو صلة بغرفة تجارة، أو خبرة داخل شركة ألمانية.

وهذه العناصر، عندما توضع في خدمة الاقتصاد السوري، يمكن أن تتحول إلى قنوات عملية للتعاون.

يشير النجار إلى وجود 79 غرفة صناعة وتجارة في ألمانيا، ويرى أن السوريين المهتمين يستطيعون الاستفادة من علاقاتهم بهذه المؤسسات أو بالشركات الألمانية المهتمة بالسوق السورية.

ويشرح الفكرة بصورة عملية: «يمكن للمهتمين السوريين أن يأخذوا المشاريع، وإذا كانت لديهم علاقات بغرف الصناعة والتجارة أو بصناعيين ألمان مهتمين بالتعاون مع السوق السورية، يعرضون عليهم هذه المشاريع».

مشروع سوري.. وشريك ألماني:

لا تقوم الفكرة على إرسال قائمة عامة من المشاريع إلى الشركات، وإنما على الوصول إلى الجهة التي تمتلك الخبرة والاهتمام في القطاع نفسه.

ويضرب النجار مثالاً بصناعة الرخام والقرميد؛ فالشخص الذي يعمل في أحد هذه القطاعات أو يعرف شركات متخصصة فيه يستطيع أن يعرض عليها مشروعاً سورياً مناسباً.

وبذلك يصبح السوري حلقة وصل تعرف احتياجات الطرفين، وتستطيع توجيه الفرصة إلى الجهة الأكثر احتمالاً لدراستها.

هذه الآلية تمنح الجالية دوراً يتجاوز الاستثمار المباشر. فليس المطلوب من كل سوري أن يكون مستثمراً، وإنما أن يستخدم ما يمتلكه من معرفة وعلاقات إذا أراد للمساهمة في اقتصاد بلده.

ويؤكد النجار هذا المعنى قائلاً: «كل سوري مهتم يستطيع أن يلعب دوراً في هذا الموضوع، إذا أراد طبعاً».

من المبادرة الفردية إلى الشبكة:

تظل المبادرات الفردية محدودة الأثر إذا بقيت متفرقة. أما عندما تتصل المشاريع السورية بشبكة السوريين في ألمانيا، وبغرف الصناعة والتجارة والشركات المتخصصة، فإنها يمكن أن تتحول إلى مسار اقتصادي أكثر انتظاماً.

وتحتاج هذه العملية إلى معلومات دقيقة عن المشاريع، وبيانات واضحة، وجهات قادرة على متابعة التواصل وتحويل الاهتمام إلى خطوات عملية.

وفي هذا السياق، يشير النجار إلى أن «في سوريا الجديدة ستكون هناك تسهيلات في قانون استثمار جديد»، ويرى أن هذه التسهيلات يمكن أن تمنح السوريين في الخارج مجالاً أوسع للمساهمة في التعريف بالفرص السورية.

لكن نجاح الشبكة لا يعتمد على القانون وحده؛ فالمشروع يحتاج إلى جهة تعرف تفاصيله، وشريك يحتاج إلى معلومات، وعلاقة تحتاج إلى متابعة حتى تتحول من اتصال أولي إلى تعاون اقتصادي.

الجالية بوابة إلى الاقتصاد الأوروبي:

تكمن أهمية السوريين في ألمانيا في أنهم يعيشون عند نقطة التقاء بين خبرتين: خبرة الوطن ومعرفة البيئة الاقتصادية الألمانية.

وقد يكون السوري موظفاً في شركة صناعية، أو يعمل في مؤسسة اقتصادية، أو يمتلك علاقات مهنية راكمها خلال سنوات طويلة. هذه الخبرة تمنحه قدرة على فهم طريقة التفكير لدى الشركات، ومعرفة طبيعة الفرص التي يمكن أن تهمها.

ولا يعني ذلك أن يحل السوريون محل المؤسسات الرسمية أو هيئات الاستثمار، بل أن يعملوا إلى جانبها؛ فالمؤسسات توفر المشاريع والمعلومات، بينما يستطيع أصحاب العلاقات في الخارج إيصالها إلى الجهات المناسبة.

اقتصاد يتجاوز تحويل الأموال:

لسنوات، ارتبطت صورة السوري في الخارج بتحويل الأموال إلى الأسرة ومساعدة الأقارب. أما المرحلة الجديدة فتفتح مفهوماً أوسع للمساهمة.

فالمال يمكن أن يمول مشروعاً، لكن العلاقة قد تصل إلى مستثمر، والمعرفة قد تقود إلى شراكة، والخبرة قد تفتح سوقاً.

ولهذا فإن قيمة الجالية لا تقاس فقط بما تملكه من أموال، وإنما أيضاً بما راكمته من علاقات وخبرات خلال سنوات وجودها خارج سوريا.

وفي بلد يحتاج إلى إعادة تشغيل اقتصاده والانفتاح على الأسواق، يمكن لهذه الثروة غير المرئية أن تكون ذات أثر طويل الأمد.

لقد صنعت سنوات الاغتراب شبكة سورية واسعة داخل المجتمع والاقتصاد الألماني. ويبقى التحدي في تحويل هذه الشبكة من علاقات متفرقة إلى قوة اقتصادية منظمة تخدم سوريا الجديدة.

فهل يستطيع السوريون في ألمانيا أن يحولوا سنوات الغربة وما راكموه خلالها من خبرة وعلاقات إلى جسر اقتصادي دائم، يفتح لسوريا أبواب الشركات والأسواق الأوروبية؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني