السوريون في ألمانيا.. «من يسبق يأكل الفستق»: هل تصبح سوريا فرصة للمستثمر المبكر؟

0 55

في اللحظات التي تعيد فيها الدول تشكيل اقتصادها، لا تكون الفرصة دائماً في انتظار اكتمال الطريق؛ أحياناً تظهر في بدايته، حين تكون المخاطر أعلى والمنافسة أقل. وسوريا، وهي تدخل مرحلة جديدة من إعادة البناء، تقف أمام هذا النوع من الفرص: مشاريع موجودة، ومستثمرون يراقبون، وبيئة تحتاج إلى مزيد من الاستقرار والوضوح.

من خلال خبرته في التعاون الاقتصادي والتكنولوجي بين سوريا وألمانيا، يرى المهندس فهمي النجار أن السوق السورية تضم مشاريع قابلة للتنفيذ بالفعل، وأن بعض المستثمرين قد يجدون في الدخول المبكر فرصة تستحق الدراسة.

ويقول النجار: «هناك مشاريع كثيرة قابلة للتنفيذ حالياً في سوريا».

المسألة ليست غياب المشاريع، بل توقيت الدخول إليها وحجم المخاطر التي يستطيع المستثمر تحملها.

الفرصة قبل اكتمال السوق:

يستحضر النجار مثلاً شعبياً يلخص نظرته إلى الاستثمار المبكر: «من يسبق يأكل الفستق».

وفي المعنى الاقتصادي الذي يقصده، قد يحصل المستثمر الذي يدخل مبكراً على موقع أفضل، لأن دخوله يأتي قبل اتساع المنافسة وارتفاع كلفة الوصول إلى الفرص.

لكن النجار لا يقدم الاستثمار المبكر بوصفه ربحاً مضموناً. فهو يربطه بالقدرة على تحمل المخاطرة، قائلاً إن «التاجر والشركات التي تستطيع أن تخاطر، ولا تخاف من بعض المخاطر، والتي تستطيع أن تغامر قليلاً، سيكون لها هامش أرباح أكبر من غيرها».

وهنا يصبح الفرق واضحاً بين المخاطرة المحسوبة والمغامرة غير المدروسة. فالمستثمر الذي يدخل سوقاً انتقالية يحتاج إلى معرفة ما يستطيع تحمله، وما إذا كان المشروع قادراً على الصمود أمام تغير الظروف.

مشاريع موجودة على الأرض:

يستند النجار في حديثه عن الفرص إلى أمثلة يرى أنها تشير إلى بدء تنفيذ استثمارات في سوريا.

ويشير إلى محافظة اللاذقية، التي يقول إنها عرفت كيف تعرض موانئها، موضحاً أن «التجار الفرنسيين أخذوا استثمارات في ميناء اللاذقية»، كما يشير إلى استثمارات إماراتية في موانئ طرطوس.

ما يهم في رؤية النجار أن الاستثمار لم يعد فكرة نظرية؛ فهناك مشاريع يرى أنها دخلت مسار التنفيذ. وهذا ينقل السؤال من وجود الفرص إلى قدرة المشاريع على إنتاج نشاط اقتصادي مستدام.

الاستقرار يغير المعادلة:

يربط النجار مستقبل الاستثمار السوري بصورة مباشرة باستقرار المنطقة المحيطة بسوريا.

ويقول: «بمجرد أن يحدث استقرار في المنطقة المحيطة بسوريا وحولها، ستصبح سوريا نقطة ربط وتنجز مشاريع رائدة ورائعة».

هذه الرؤية تضع الجغرافيا السورية في قلب الحساب الاقتصادي. فسوريا لا تنظر إلى سوقها الداخلية فقط؛ فموقعها يمكن أن يمنحها دوراً في حركة التجارة والمشاريع العابرة للحدود إذا أصبحت البيئة الإقليمية أكثر استقراراً.

فالشركات التي تفكر في استثمار طويل الأمد تحتاج إلى القدرة على التخطيط والاطمئنان إلى حركة التجارة والظروف التي ستعمل فيها.

الضوء الأخضر لا يعني الاستثمار تلقائياً:

حتى مع وجود مشاريع قابلة للتنفيذ، يرى النجار أن الشركات الأجنبية تحتاج إلى بيئة دولية تسمح لها بالعمل في سوريا.

ويشرح أن «الضوء الأخضر» يعني أن تسمح الدول لشركاتها بالتعامل مع سوريا، وألا تكون هناك قيود تمنع الشركات الأوروبية والأمريكية من دخول السوق السورية.

ويضيف: «بدون هذا الضوء الأخضر لا أعتقد أن كثيراً من الشركات الجريئة ستدخل السوق السورية».

لكن الضوء الأخضر لا يلغي بقية عناصر القرار؛ إذ تبدأ بعده دراسة المشروع والسوق والجدوى والمخاطر.

وهنا تلتقي السياسة بالاقتصاد: القرار الذي يبدو تجارياً في ظاهره قد يتأثر بقرارات الدول والعلاقات الدولية بقدر تأثره بأرقام المشروع.

المستثمر بين الجرأة والانتظار:

المستثمر الذي يدخل مبكراً قد يسبق المنافسين، لكنه يتحمل في المقابل درجة أعلى من عدم اليقين. أما الذي ينتظر، فقد يحصل على بيئة أوضح، لكنه قد يصل إلى سوق أصبحت فيها الفرص أكثر تنافساً.

ولهذا لا توجد وصفة واحدة تصلح لكل المستثمرين.

فالمستثمر المحترف يقارن بين حجم العائد المتوقع وحجم المخاطرة، ويدرس القطاع والمشروع والتمويل والبيئة المحيطة قبل اتخاذ القرار.

وتصبح المرحلة الانتقالية في سوريا اختباراً لهذا النوع من القرارات: من يستطيع تحمل المخاطر قد يرى فرصة، ومن يحتاج إلى استقرار كامل قد يفضل الانتظار.

سوريا أمام سباق اقتصادي:

لا تستطيع سوريا أن تعتمد على وجود المشاريع وحده. فالفرصة الاقتصادية تحتاج إلى مستثمر قادر على الدخول، وبيئة تسمح له بالعمل، واستقرار يرفع مستوى الثقة.

والنجار يرى أن سوريا، إذا استقر محيطها، قادرة على التحول إلى «نقطة ربط» وإنجاز مشاريع رائدة.

من هنا تكتسب المرحلة الحالية أهميتها. فالسوق التي تعاد صياغتها اليوم يمكن أن تجذب من يقرأ المستقبل مبكراً، لكن النجاح لا يأتي من السرعة وحدها؛ بل من القدرة على اختيار المشروع المناسب وتحمل مخاطره.

وفي النهاية، لا تعني عبارة «من يسبق يأكل الفستق» أن كل من يدخل أولاً سيربح، بل تضع أمام المستثمر سؤالاً أكثر واقعية: هل يستطيع أن يتحمل مخاطر اليوم مقابل موقع اقتصادي قد يصبح أكثر قيمة غداً؟

فهل تكون سوريا الجديدة ساحة ينتظر المستثمرون استقرارها الكامل، أم سوقاً يختار بعض المستثمرين دخولها مبكراً، على أمل أن تتحول مخاطرة البداية إلى أفضلية في اقتصاد المستقبل؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني