روسيا في سوريا بعد سقوط الأسد.. من يجبر ضرر الضحايا؟

0 8

بعد أحد عشر عاماً على بدء التدخل العسكري الروسي في سوريا، تدخل القضية مرحلة مختلفة. فقد توقفت العمليات الروسية التي دعمت نظام بشار الأسد مع سقوطه في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، لكن آثار الحرب لم تتوقف بالنسبة إلى عائلات فقدت أفراداً، ومجتمعات دُمّرت منازلها ومنشآتها وسبل عيشها. وهنا ينتقل السؤال من طبيعة التدخل العسكري إلى ما يترتب عليه بعد انتهائه: هل تنتهي المسؤولية القانونية بانتهاء العمليات، أم تبدأ مرحلة أخرى عنوانها المساءلة وجبر الضرر؟

بدأ التدخل الروسي في 30 أيلول/سبتمبر 2015، بناءً على طلب من الحكومة السورية آنذاك، لتصبح روسيا طرفاً عسكرياً مباشراً في النزاع. وبالتوازي مع تدخلها العسكري، واصلت موسكو استخدام موقعها في مجلس الأمن دعماً لحليفها السوري. وتظهر سجلات الأمم المتحدة أن روسيا استخدمت حق النقض 18 مرة في ملفات تتعلق بسوريا، كان من أبرزها التصويت في 22 أيار/مايو 2014 ضد مشروع القرار S/2014/348، الذي كان يقترح إحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، وأسقطته روسيا والصين بالفيتو.

وخلال سنوات التدخل، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 6,993 مدنياً قالت إن القوات الروسية قتلتهم، بينهم 2,061 طفلاً و984 سيدة، إضافة إلى 363 مجزرة و1,262 حادثة اعتداء على منشآت حيوية مدنية، بينها 224 مدرسة و217 منشأة طبية و61 سوقاً. وهذه الأرقام تمثل حصيلة توثيقية للشبكة، ولا تعني أن المسؤولية القانونية عن كل واقعة ثبتت بحكم قضائي.

لكن بعض الوقائع انتقلت من نطاق التوثيق الحقوقي إلى نتائج توصلت إليها لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا. ففي تقريرها الصادر عام 2020، قالت اللجنة إن لديها أسباباً معقولة للاعتقاد بمشاركة طائرة روسية في هجوم على سوق في معرة النعمان في 22 تموز/يوليو 2019، وهجوم آخر على تجمع للنازحين قرب حاس في 16 آب/أغسطس من العام نفسه. وخلصت اللجنة إلى أن القوات الجوية الروسية لم توجه الهجومين إلى هدف عسكري محدد، واعتبرت ذلك جريمة حرب تتمثل في شن هجمات عشوائية في مناطق مدنية.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين التوثيق وإثبات المسؤولية القانونية. فحصر أعداد الضحايا لا يكفي وحده لإثبات مسؤولية دولة عن كل حادثة، كما أن إثبات مشاركة قوات دولة في هجوم لا يغني عن فحص ظروفه والقواعد القانونية المنطبقة عليه.

مع ذلك، تضع قواعد مسؤولية الدول إطاراً مهماً للسؤال. فوفق مواد لجنة القانون الدولي، عندما يُنسب سلوك إلى دولة ويشكل إخلالاً بالتزام دولي، تنشأ مسؤوليتها الدولية. وإذا ثبت الفعل غير المشروع والضرر الناتج عنه، يترتب على الدولة التزام بجبر الضرر كاملاً، وقد يشمل ذلك رد الحقوق والتعويض والترضية، بحسب طبيعة الضرر والظروف.

ولا يعني هذا أن كل مطالبة بالتعويض تصبح مستحقة تلقائياً بمجرد وقوع الضرر. فكل واقعة تحتاج إلى تحديد السلوك، وإسناده إلى الجهة المسؤولة، وإثبات الإخلال بالقانون والضرر والعلاقة بينهما. لكن تغير السلطة في دمشق لا يمحو هذه الأسئلة، ولا يمنع من بحث المسؤوليات التي قد تكون نشأت قبل ذلك التغيير.

وتتصل المسألة أيضاً بوجود بشار الأسد في روسيا منذ مغادرته سوريا بعد سقوط النظام. فروسيا وسوريا دولتان طرفان في اتفاقية مناهضة التعذيب، التي تفرض، في ظروف محددة، التزامات على الدولة التي يوجد في إقليمها شخص يُشتبه في ارتكابه أفعالاً مشمولة بالاتفاقية، من بينها إجراء تحقيق أولي وإحالة القضية إلى السلطات المختصة إذا لم يتم تسليمه إلى دولة أخرى وفق أحكام الاتفاقية.

وفي حكمها عام 2012 في قضية بلجيكا ضد السنغال، أكدت محكمة العدل الدولية أن الالتزام بإحالة القضية إلى السلطات المختصة، إذا لم يتم التسليم، لا يتوقف على وجود طلب تسليم سابق. غير أن تطبيق هذه القواعد على أي حالة بعينها يظل مرتبطاً بتوافر الشروط القانونية والأدلة والاختصاصات ذات الصلة.

وفي مقابلة في كانون الثاني/يناير 2026، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن روسيا منحت الأسد اللجوء لأسباب إنسانية، وإن مسألة محاكمته لم تُطرح منذ فترة طويلة. ولا يحسم هذا التصريح، بحد ذاته، المسؤولية القانونية، لكنه يجعل وجود الأسد في روسيا جزءاً من النقاش المتعلق بالتزاماتها بموجب القانون الدولي.

وبالنسبة إلى الضحايا، لا تتوقف القضية عند المحاكمات. فمبادئ الأمم المتحدة بشأن الحق في الانتصاف وجبر الضرر، المعتمدة بالقرار 60/147، تشمل أشكالاً متعددة من الجبر، بينها التعويض وإعادة التأهيل والترضية ورد الحقوق وضمانات عدم التكرار. وبذلك يتسع السؤال من «من ارتكب الانتهاك؟» إلى «كيف تُعالج آثاره على الضحايا والمجتمعات؟».

ومن هذا المنطلق، تدعو الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى ألا تتجاهل أي علاقة مستقبلية بين دمشق وموسكو، بما فيها التعاون الاقتصادي أو مشاركة روسيا في إعادة الإعمار، حقوق الضحايا. وتطرح الاعتراف بالمسؤولية عن الأفعال غير المشروعة التي تثبت نسبتها إلى القوات الروسية، والتعاون مع آليات المساءلة، والمساهمة في جبر الضرر وإعادة التأهيل، بوصفها قضايا ينبغي أن تكون حاضرة في أي نقاش مستقبلي.

لكن تحويل هذه المطالب إلى مسار عملي يحتاج إلى آليات واضحة ومستقلة: حفظ سجلات العمليات والاستهداف، إتاحة الأدلة للجهات المختصة، تحديد المسؤولية عن كل واقعة وفق الأدلة، وإشراك الضحايا في تحديد أشكال الجبر التي تتناسب مع الأضرار التي لحقت بهم.

فبعد سقوط النظام الذي تدخلت روسيا عسكرياً لدعمه، لم تعد القضية مرتبطة فقط بمرحلة الحرب. إنها أصبحت جزءاً من سؤال أوسع حول شكل العلاقة التي ستنشأ بين سوريا وروسيا، وما إذا كان يمكن أن تُبنى على المصالح السياسية والاقتصادية وحدها، أم ينبغي أن تتضمن أيضاً معالجة إرث الانتهاكات.

وبالنسبة إلى عائلات فقدت أبناءها أو خسرت منازلها ومصادر رزقها، قد لا يكون سقوط النظام نهاية القصة. فقد تبدأ العدالة، في أحد وجوهها، عندما يصبح الضرر الموثق قابلاً للفحص، وتتحول الحقيقة من سجل محفوظ إلى أساس يمكن أن تُبنى عليه مساءلة وجبر للضرر.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني