عزمي بشارة: حين يصبح التمايز سلطة

0 14

من سوسيولوجيا التمايز إلى قابلية حدوده للمراجعة

العلمنة، عند عزمي بشارة، ليست مجرد فصلٍ بين الدين والدولة، بل صيرورة تاريخية تتمايز فيها مجالات الدين والسياسة والمجتمع والمعرفة، وتُعاد عبرها صياغة وظائفها وحدودها وعلاقاتها المتبادلة. لكن بشارة نفسه يبين أن هذا التمايز قد يُفرض من أعلى عبر الدولة، وأن بعض أشكال العلمنة في المشرق اتخذت صورة هيمنة الدولة على الدين من دون صراع حول حياد الدولة في المجال الديني.

المشكلة لا تتعلق بإثبات حضور سلطة الدولة داخل العلمنة؛ فهذا حاضر في التحليل نفسه. وإنما تتعلق بالشروط التي تجعل سلطة الدولة في إنتاج حدود التمايز سلطة ديمقراطية، لا مجرد سلطة قادرة على فرض حدودها.

ويُظهر تحليل بشارة أن العلمنة في المشرق لا تُفهم بوصفها استنساخاً بسيطاً للتجربة الأوروبية، وأن الدولة قد تفرض التمايز من أعلى؛ لكن ذلك لا يحسم سؤال السلطة التي تنتج حدود هذا التمايز: من يملك تعريفها، وما الذي يجعل هذا التعريف ديمقراطياً وقابلاً للمراجعة؟

الحدود بين الديني والسياسي، والعام والخاص، لا تُكتشف كوقائع طبيعية، بل تتشكل عبر القانون والمؤسسات والتعليم والإدارة. والدولة أحد أقوى الفاعلين في تشكيلها: تحدد ما يُعامل شأناً دينياً خاصاً وما يدخل المجال العام، وتنظم المؤسسات الدينية، وتمنح بعض أشكال التمثيل اعترافاً رسمياً دون غيرها. لكنها لا تشارك في رسم الحدود فحسب؛ إنها تشارك في إنتاج الفئات التي تُرسم الحدود بينها. فلا تقول فقط «هذا ديني وهذا سياسي»، بل تنتج تصنيفات أكثر نفاذاً: تدين مقبول وتدين متطرف، خطاب مشروع وخطاب مهدد. وحين تصبح هذه التصنيفات نافذة قانونياً، لا يعود التمايز وصفاً لتوزيع الوظائف؛ يصبح ممارسة للسلطة على تعريفها.

قد تنحسر قدرة المؤسسات الدينية على التأثير في القرار السياسي، بينما تتسع قدرة الدولة على تنظيم المجال الديني وتمثيله. عندئذ لا يكون السؤال: هل انفصل الدين عن الدولة؟ بل: من يملك القدرة على جعل تعريف هذا الانفصال نافذاً؟

وكما يوضح طلال أسد في دراسته لتشكّل العلماني، فإن الفئات التي نميّز بها بين الديني والعلماني تتشكل تاريخياً، ولا يصح افتراضها كيانات ثابتة تسبق عمليات التمايز. ويبيّن حسين علي أغراما، في دراسته للحالة المصرية، أن الحد بين الدين والسياسة ليس ثابتاً؛ إذ تظل قابلية إعادة تحديده جزءاً من كيفية اشتغال السلطة العلمانية تحت مظلة القانون والدولة.

أحد وجوه هذه العملية يمكن تحليلياً تسميته «العلمنة الإدارية»: إدارة الدولة للدين بوصفه مجالاً قابلاً للتصنيف والضبط، بحيث لا تكتفي بتنظيم العلاقة بين المجالين، بل تشارك في تحديد حدودهما. استقلال الدولة عن المؤسسة الدينية لا يساوي، في ذاته، استقلال المجال الديني عن الدولة. ويبرز الخطر حين تصبح سلطة الدولة على التمايز إلى سلطة غير قابلة للمساءلة في تعريف حدوده.

وحين تتحول هذه الحدود إلى حقائق نهائية محصّنة من المنازعة، لا تعود العلمانية مجرد ترتيب سياسي قابل للمراجعة بل قد تُضفى على مرجعيتها حصانة تجعلها بمنأى عن المنازعة، فتتحول حدودها من موضوع للجدل إلى معيار يحدد المشروع وغير المشروع.

وفي السياق الشرق أوسطي، أُعيد تشكيل العلمنة داخل مسارات بناء الدولة الحديثة وفي ظل أنماط مختلفة من السلطوية، فلم يؤدِّ التمايز بالضرورة إلى حياد الدولة تجاه الدين؛ إذ أمكن أن يتحول، حين تملك الدولة سلطة واسعة على المجتمع والمجال الديني، من إعادة تنظيم العلاقة بين المجالات إلى أداة لضبط أحدها. وقد تترافق العلمنة الفوقية، حين تقترن بفشل بناء المواطنة، مع صعود التدين السياسي والطائفية؛ فالدولة المتمايزة مؤسسياً قد تكون استبدادية سياسياً، والقانون العلماني قد تكون ممارسته تمييزية.

المطلوب ليس إلغاء سلطة الدولة في التصنيف، بل إخضاعها للمراجعة: أن تكون الحدود التي تنتجها قابلة للجدل السياسي والطعن القضائي، لا حقائق نهائية مغلقة أمام المجتمع. فالمشكلة الديمقراطية لا تبدأ من وجود التصنيف، بل من تحوله إلى قرار نهائي لا يملك المجتمع أدوات مراجعته أو الطعن فيه. ولا تستطيع الجماعات الدينية أن تنسحب من المجال العام، لكنها لا تملك في المقابل حق تحويل تعريفها الخاص للدين إلى معيار وحيد للمواطنة.

فالسؤال الديمقراطي ليس: هل انفصل الدين عن الدولة؟ بل: هل بقيت الحدود التي تفصل بينهما قابلة للمراجعة، أم تحولت إلى امتياز دائم بيد طرف واحد؟

العلمنة التي تستحق الدفاع عنها ليست تلك التي تمنح الدولة تفوقاً في إدارة الدين، ولا تلك التي تمنح الدين سلطة على الدولة؛ إنها ترتيب سياسي يحول دون احتكار أي منهما للحدود التي تنظّم العلاقة بينهما.

التمايز ليس غاية في ذاته؛ قيمته تبدأ حين يحرر المجالات، وتنتهي حين يتحول إلى سلطة تحتكر تعريف حدودها.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني