
العلمنة وبناء الدولة الحديثة: من صراع الهُويّة إلى حياد الدولة عند عزمي بشارة
يكتسب مشروع عزمي بشارة في “الدين والعلمانية في سياق تاريخي”أهميّته من محاولته نقل مسألة العلمانية من حقل الصراع الأيديولوجي إلى حقل التاريخ وعلم الاجتماع ونظرية الدولة. فهو لا يبدأ من السؤال الشائع: هل العلمانية جيدة أم سيئة؟ ولا يتعامل معها بوصفها عقيدة مكتملة يمكن نقلها من مجتمع إلى آخر، بل يبحث في العمليات التاريخية التي أدّت إلى نشوء مجالات اجتماعية ومعرفية وسياسية متمايزة، وفي التحولات التي أصابت أنماط التدين والدولة والمجتمع والوعي معاً.
وبهذا المعنى، ميّز بشارة بوضوح بين العلمنة والعلمانية. فالعلمنة صيرورة تاريخية واجتماعية طويلة، أما العلمانية فقد تتحول إلى موقف فكري أو سياسي أو أيديولوجي تجاه كيفية تنظيم العلاقة بين الدين والدولة والمجال العام. ولذلك رأى أنَّ العلمانية ليست نظرية علمية، ولا تعني العقلانية بالضرورة، بل هي ثقافة وأيديولوجية تطوّرت تاريخيّاً[1].
هذا التمييز ليس مجرد تمييز اصطلاحي وحسب، بل تمييز يترتّب عليه أثر سياسي مباشر. فإذا كانت العلمنة صيرورة، فلا يمكن بناء الدولة الحديثة بمجرد إعلان “العلمانية” مبدأً دستورياً، كما لا يمكن النظر إلى مجتمع ما بأنَّه غير حديث لأنَّ التدين ما زال حاضراً فيه. فالحداثة السياسية لا تقاس بدرجة اختفاء الدين، بل بنشوء مؤسّسات ومجالات لها قواعدها المستقلة نسبياً: القانون، والسياسة، والإدارة، والعلم، والتعليم، والاقتصاد، والمجتمع المدني.
1- شعار “فصل الدين عن الدولة”
رفض بشارة اختزال المسألة كلها في شعار “فصل الدين عن الدولة”،لأنَّ فهم العلمانية بهذه الصيغة وحدها لا يكشف تاريخ تشكلها ولا اختلاف صورها بين المجتمعات[2]. فنشوء الدولة الحديثة لم يبدأ تاريخياً بقرار يقول: لِنفصل الدين عن الدولة. بل ارتبط قبل ذلك بنشوء السيادة، واحتكار الدولة للتشريع والإدارة والقوة الشرعية، وتكوّن أجهزة بيروقراطية مستقلة، وتمايز السلطة السياسية عن المؤسّسة الدينية، ثم تطور مفاهيم الحرية الدينية وحقوق الأفراد والمواطنة.
لذلك تصبح قضية الدولة أكثر تعقيداً من العلاقة بين مؤسستين، دينية وسياسية. إنَّها تتعلق بمنطق عمل الدولة بصورة رئيسة: هل تستند المواطنة إلى الانتماء الديني والمذهبي، أم إلى مساواة قانونية بين الأفراد؟ هل تتدخل الدولة في ضمائر مواطنيها؟ وهل تستخدم جهازها لإكراههم دينياً أو مذهبياً؟ وهل تستطيع المؤسّسات العامة اتّخاذ قراراتها بموجب القانون والمصلحة العامة من دون الحاجة إلى إضفاء قداسة على كل فعل سياسي؟
فهو يميز بين أنماط مختلفة داخل العلمانية نفسها، ويرى أنَّ هناك فرقاً بين العلمانية بوصفها حماية للحريات الدينية والعلمانية بوصفها عداءً للدين[3]. وهذا التمييز محوري لأنه يفصل بين علمنة الدولة وبين تحويل الدولة إلى جهاز أيديولوجي لمقاومة الدين.
2- تحييد الدولة لا علمنة المجتمع بالقوة
يرى بشارة أنَّ المسألة الأساسية في الدولة الحديثة هي تحييد الدولة في الشأن الديني لا فرض نمط ثقافي علماني على المجتمع. فالإنسان المتدين لا يفقد حقه في المشاركة في الحياة العامة بسبب تدينه، مثلما لا يجوز للدولة أن تفرض معتقداً على غير المتدين. والدين لا يحتاج إلى الاختفاء من المجتمع لكي تكون الدولة حديثة. وقد تبقى المؤسّسات الدينية والجماعات المتدينة والأفكار المستمدة من الدين حاضرة في النقاش العام، لكن حضورها شيء وامتلاكها سلطة الدولة للإكراه شيء آخر.
وفي المقابل، يعني تحييد الدولة أيضاً تحرير الدين من سيطرتها. فالدولة التي تعيّن رجال الدين، وتحدِّد العقائد المقبولة، وتراقب الخطاب الديني، وتوظِّف الدين لتثبيت شرعيتها، ليست بالضرورة أكثر فصلاً بين الدين والسياسة من دولة تعلن لنفسها هُويّة دينية. ولهذا تبدو تجربة الفصل، في بعض صورها التاريخية، مرتبطة أصلاً بحماية الحرية الدينية من تدخل الدولة. وفي مناقشته التجربة الأميركية، رأى أنَّ هدف الفصل في أميركا كان الدفاع عن الحرية الدينية من تدخل الدولة[4].
3- التمايز بوصفه مفتاح بناء الدولة الحديثة
لعلَّ المفهوم الأكثر قدرة على تفسير العلمنة عند بشارة هو “التمايز”. فالمجتمع الحديث لا يصبح حديثاً لأنَّ الدين يختفي، بل لأنَّ المجالات الاجتماعية والمؤسّساتية تتمايز. القضاء لا يعمل بمنطق الفتوى، والعلم لا يحتاج إلى برهان ديني لإثبات نظرية فيزيائية، والإدارة العامة لا يفترض أن توزِّع الوظائف على أساس الانتماء الطائفي، والمواطن لا يحصل على حقوقه بسبب عضويته في جماعة دينية.
لكنَّ هذا التمايز لا يعني الانفصال التام. فالسياسة تتأثّر بالأخلاق، والدين يتأثر بالمجتمع، والقانون يتفاعل مع القيم السائدة. والمجالات المتمايزة تبقى على علاقة بعضها ببعض. لهذا تبدو العلمنة لدى بشارة عملية تاريخية أكثر تعقيداً من قصة خطّية عن انسحاب الدين أمام الحداثة.
ويظهر ذلك أيضاً في العلاقة المتبادلة بين الدين والعلمنة؛ فهو يرى أنَّ فهمنا للدين يتغيّر بحسب العلمنة، وأنَّ أنماط التدين تتأثّر بأنماط العلمنة التي تمرّ بها المجتمعات[5]. أي أنَّ الدين نفسه ليس كتلة ثابتة تقف خارج التحولات الحديثة. فالدين الذي يعيش في دولة دستورية ذات مواطنة وحرية ضمير ليس مطابقاً في وظائفه الاجتماعية والسياسية للدين في مجتمع لا تمايز فيه بين السلطة السياسية والسلطة الدينية.
4- علمانيات لا علمانية واحدة
ولهذا السبب أيضاً يحذِّر بشارة من تصور نموذج عالمي واحد للعلمانية، فالعلمانية علمانيات لا علمانية واحدة. في الإمكان الحديث عن علمانيات، لا عن علمانية واحدة[6]. وهذا التصور يحرِّر النقاش العربي من ثنائية عقيمة: إما استنساخ النموذج الفرنسي مثلاً، وإما رفض العلمانية بوصفها تجربة أجنبية. فالتجارب الأميركية والفرنسية والبريطانية وغيرها نشأت في سياقات مختلفة، واختلفت في العلاقة بين الدولة والمؤسّسات الدينية وفي درجة حضور الدين في المجال العام.
ومن ثمّ، فإنَّ بناء الدولة العربية الحديثة لا يستوجب استيراد تجربة تاريخية أوروبية بعينها، بل صوغ تسوية سياسية ودستورية تستجيب لشروط المجتمع العربي المعني نفسه، على أن تحمي مبادئ أساسية لا غنى عنها: حرية الاعتقاد وعدم الاعتقاد، والمساواة السياسية والقانونية، وعدم الإكراه الديني، وعدم التمييز بين المواطنين، واستقلال مؤسّسات الدولة عن هيمنة جماعة دينية أو مذهبية.
5- من هُويّة الدولة إلى القانون العام
تبدأ معظم السجالات على الساحة العربية بسؤال: هل الدولة إسلامية أم علمانية؟ ثم يتحول الخلاف إلى مواجهة على هُويّة الدولة قبل الاتفاق أصلاً على معنى الدولة والمؤسّسات والمواطنة. أما مقاربة العلمنة بوصفها صيرورة تمايز، فتنقل السؤال إلى مستوى أكثر عملية: هل القضاء مستقل؟ هل الإدارة محايدة؟ هل المواطنون متساوون؟ هل التشريع قابل للنقاش والتغيير من خلال المؤسّسات السياسية؟ هل يستطيع الإنسان تغيير معتقده أو عدم الاعتقاد أصلاً من دون خوف؟ وهل تتعامل الدولة مع مواطنيها بوصفهم أفراداً متساوين أم أعضاءً في طوائف؟
ليست الدولة الحديثة، وفق هذا المنظور، تلك الدولة التي تنتصر فيها جماعة “علمانية” على جماعة “دينية”، بل الدولة التي لا يحتاج فيها أي فريق إلى الاستيلاء على جهاز الدولة لحماية أفكاره ومعتقده ونمط حياته من الفريق الآخر. وهذا لا يلغي الدين من السياسة ولا يحظر على المؤمن أن يستمد مواقفه الأخلاقية والسياسية من معتقده، لكنَّه يجعل القانون العام والمواطنة والمؤسّسات هي الوسائط المشتركة التي تتحول عبرها القناعات المختلفة إلى مواقف سياسية قابلة للنقاش والتداول.
أخيراً؛ تكمن القيمة الكبرى في تمييز بشارة بين العلمنة والعلمانية في تحويل النقاش من سؤال أيديولوجي عن “الموقف من الدين” إلى سؤال سياسي عن طبيعة الدولة. فالعلمنة لا تقوم على نزع الدين من المجال الاجتماعي، بل على إعادة تنظيم علاقته بالمؤسّسات والمجالات الأخرى، فيما لا ينبغي للعلمانية السياسية أن تتحوّل إلى عقيدة رسمية تنافس الدين أو تحلّ محلّه. وما تحتاج إليه الدولة الحديثة هو التمايز بين المجالات، وحياد الدولة في الاعتقاد، والحرية الدينية، والمساواة في المواطنة، واستقلال المؤسّسات عن الإكراه الديني والمذهبي. وعندئذ لا يعود المعيار هو مقدار ما تستخدم الدولة كلمة “العلمانية” في دستورها وقوانينها وخطاباتها، بل مقدار قدرتها على أن تكون دولةً لجميع المواطنين. وهذا هو التحول الذي يمكن أن يجعل النقاش في العلمانية جزءاً من بناء الدولة بدل أن يكون سبباً إضافياً للصراع على هُويّتها.
[1] يُنظر الصفحة الرسمية للكتاب على موقع عزمي بشارة.
[2] يُنظر صفحة عرض الكتاب ومقدمته.
[3]– يُنظر مراجعة وجيه كوثراني للكتاب في مجلة تبيّن، المجلد 4، العدد 16، ربيع 2016.
[4] -المرجع السابق نفسه.
[5] -يُنظر موقع عزمي بشارة على الشبكة العنكبوتية. الصفحة الرسمية للكتاب
[6] -يُنظر مراجعة وجيه كوثراني للكتاب، مرجع سابق.