توطين أفكار غربية في بيئة عربية محافظة.. إنه عزمي بشارة

0 15

بعد اندلاع الربيع العربي جرت عملية إعادة صياغة للمفهوم العلماني في الخطاب السياسي العربي، بحيث نقلت عناصر كثيرة منه مثل المواطنة، فصل الدين عن الدولة، المساواة، الدولة غير الثيوقراطية، وتداول السلطة، إلى مظلة أكثر قبولاً اجتماعياً اسمها “الدولة المدنية”.

وساهمت المؤسسات الفكرية والإعلامية المتأثرة بأفكار عزمي بشارة بدور واسع في إعادة تركيب تراث فكري غربي واسع، وتوطينه في السياق العربي فيما يتعلق بالمجتمع المدني والدولة الديموقراطية. وقد تطلب هذا التوطين تخفيف التوتر بين العلمانية السياسية والهوية الإسلامية للمجتمع، فظهر مفهوم “الدولة المدنية” بوصفه لغة توافقية تسمح بتمرير مبادئ المواطنة والتمايز بين الديني والسياسي من دون مطالبة الجمهور المسلم بتبني الهوية العلمانية صراحة، وقد أوجد ذلك مساحة مشتركة مع الإسلام السياسي، لكنه لا يثبت في ذاته أن مشروع بشارة والمناصرين له هو مشروع لتسويق الإسلام السياسي.

ففي كتابه “المجتمع المدني: دراسة نقدية”[1] نرى أفكاراً مركزية تتمحور حول أن المجتمع المدني ليس مجموعة منظمات تقع خارج الدولة، بل هو عملية تاريخية وسياسية مرتبطة بنشوء المواطن والديمقراطية والدولة الحديثة. كما أن القيمة التاريخية للمجتمع المدني لا تنشأ من كونه غير حكومي، بل من الوظيفة التي يقوم بها في الانتقال نحو المواطنة والديمقراطية.

فالكثير من الحكومات سمحت بترخيص آلاف المنظمات والجمعيات، لكنها لم تنتج مجتمعاً مدنياً قوياً، لأن دولها منعت تلك المنظمات من تنظيم مواطنين قادرين على الإدارة المؤسساتية الرشيدة القائمة على المساءلة والمشاركة.

المفكر الإيطالي الماركسي أنطونيو غرامشي[2] لم ير المجتمع المدني فضاءً بريئاً منفصلاً عن الصراع السياسي، بل ساحة تتشكل فيها الهيمنة، في حين بشارة المقتنع بعدم حياد المجتمع عن السياسة، ينظر له كأساس لبناء المواطنة والديموقراطية، بدون الصدام مع الدولة، وبهذا الشكل يكون بشارة أقرب لأفكار المفكر الألماني يورغن هابرماس[3] الذي ركز على أن المجتمع المدني يربط بين العالم الخاص وسلطة الدولة، حيث يلتقي المواطنون لمناقشة القضايا المشتركة وتكوين رأي عام قادر على مساءلة السلطة، وهذا الالتقاء قد يكون في المقاهي، الصالونات الأدبية، أو حتى الجمعيات ودور الصحافة. وهو ما أعاد بشارة صياغته عندما وضح أن المنظمة المدنية ليست مهمة لأنها تحمل تسجيلاً قانونياً باعتبارها NGO، وإنما لأنها تستطيع إدخال المواطنين إلى المجال العام.

ولربما البيئة العربية المحافظة وذات الأصول العشائرية التي ينشط فيها عزمي تدفعه لمقاربة الأفكار الغربية بصورة أكثر حذراً من هابرماس، وأكثر ليونة من غرامشي، ما يجعل كتاباته مرتكزة على ضرورة دعم المجتمع المدني لتأسيس مفهوم ديموقراطي غير موجود، فمثلاً بشارة قريب من أفكار المؤرخ الفرنسي ألكسيس دو توكفيل[4] الذي وضح أن الديموقراطية لا تولد مع المواطن، بل يتعلمها من خلال الممارسة الجماعية. ولكن بشارة يضيف فكرة جوهرية حينما يوضح: ليست كل جمعية مدرسة للمواطنة، فالكثير من الجمعيات إقصائية أو طائفية!

هذه الجدلية التي يطرحها بشارة قادمة من صيرورة نزاع فكري عاشه عدد من منظري القومية العرب، فمنظرو حزب البعث العربي الاشتراكي عندما أعلنوا شعار “أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة” ربطوا أحزابهم بطريقة غير مباشرة بالأمة الإسلامية، ليجدوا مبرراً في دساتير بلدانهم لجعل “الإسلام مصدر من مصادر التشريع” وهدفهم في ذلك كسب الشعبية على حساب المبادئ الداعية للمساواة والعدالة، وبشارة القادم من خلفية سياسية ونضالية فلسطينية ما يزال متمسكاً بهذه الفكرة لغرض تعزيز قضيته الأولى وكسب الحشد الشعبي المتدين.  
وهنا يبدو بشارة مناضلاً ثورياً فلسطينياً أكثر من كونه مفكراً أممياً، أو حتى عربياً، فإعادة صياغة العلمانية في لغة “مدنية” قد تكون تكييفاً فكرياً ذكياً مع السياق العربي، لأنها تنقل النقاش من حرب الهوية بين “الإسلاميين والعلمانيين” إلى مسائل قابلة للقياس مثل المساواة، المواطنة، الانتخابات، واستقلال القضاء.  

فاذا كانت المواطنة المتساوية والحقوق الدستورية قادرة على تقييد إرادة الأغلبية حتى عندما تتحدث الأغلبية باسم الدين، فان “الدولة المدنية” تقترب في نتائجها العملية كثيراً من الدولة الديمقراطية العلمانية، حتى لو رفض أصحابها استعمال هذا الوصف. أما إذا ظلت المرجعية الدينية قادرة على تعطيل حقوق المواطن أو تقييد التشريع الديمقراطي، فان كلمة “مدنية” تصبح وصفاً شكلياً لا يحل المشكلة الجوهرية.

وهكذا قد تكون أهم مساهمة لعزمي بشارة في موضوع المجتمع المدني ليست اختراع مفهوم جديد، بل محاولة إعادة صياغة مجموعة من الافكار الغربية الحديثة ضمن لغة تستطيع العمل داخل مجتمع عربي محافظ ومتدين. لكن نجاح هذه المحاولة لا يقاس بقدرتها على إنتاج مصطلحات توافقية، بل بقدرتها على الإجابة عن السؤال الأصعب:

عندما تتعارض إرادة الأغلبية الدينية مع حق فردي دستوري، من ينتصر في الدولة المدنية؟

عند هذه اللحظة ينتهي دور اللغة، ويبدأ الاختبار الحقيقي للفكرة.


[1]– المجتمع المدني: دراسة نقدية، عزمي بشارة 1998.

[2]– أنطونيو غرامشي فيلسوف ومناضل ماركسي إيطالي، ولد في بلدة آليس بجزيرة ساردينيا الإيطالية عام 1891.

[3]– يورغن هابرماس فيلسوف وعالم اجتماع ألماني معاصر.

[4]– ألكسيس دو توكفيل مؤرخ ومنظر سياسي فرنسي، ولد عام 1805.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني