
تعالوا نقرأ عزمي بشارة من جديد
يستأنف عزمي بشارة في كتابيه الكبيرين «مسألة الدولة، أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات» (2023) و«الدولة العربية، بحث في المنشأ والمسار» (2024) بحث الدولة في المكتبة العربية الحديثة، بعد أن كاد هذا البحث يتوقف على مستوى النظرية، عند حدود مساهمات نوعية سابقة ارتبطت بأسماء قلة محدودة من الباحثين والمفكرين العرب أمثال عبد الله العروي ونزيه الأيوبي وغسان سلامة وغيرهم، بينما طغت كثرة كاثرة من الدراسات التي صدرت بين أواخر ستينيات القرن العشرين وحتى اليوم، وكانت محكومة بثقل الهموم السياسية المعيارية في زمنها على تناول السلطة أكثر من الدولة. ويعيد بشارة في هذين الكتابين أشكلة مسألة الدولة كنظريات وفلسفة في الفكر الحديث بما فيه الفكر العربي الحديث، ويبني عليها مطوراً معالجة جديدة تستوعب ما أنجز في الفكر العربي الحديث وتحاول تجاوزه في آن واحد، مدمجة مفهوم المواطنة كمفهوم ضروري في تعريف الدولة الحديثة كدولة لجميع مواطنيها، وفهم المواطنة كوجه آخر من نوع الوجه الضروري للسيادة. ويكمن في ذلك أساس إضافته البحثية الفكرية والنظرية الجديدة التي طرحها عبر نتاج فكري متواصل تمثلت إحدى أبرز علاماته في كتابه عن المجتمع المدني (1996)، الذي تجاوز فيه ما ساد في مرحلة التسعينيات من القرن العشرين ما راج في الفكر اليومي الثقافي العربي من تصور المجتمع المدني كمقابل للدولة، ومن ربط تطور فاعلية المجتمع المدني بإضعاف سلطة الدولة، وشيوع الحديث بتأثير الإيديولوجيا النيو – الليبرالية عن الدولة محدودة الوظائف، وما بعد الدولة، والدول المحلية.. إلخ، والذي استخدم في الفكر اليومي الثقافي العربي في ضوء المماهاة بين السلطة والدولة. وفي هذين الكتابين يطور بشارة ما طرحه في كتاب المجتمع المدني عبر طرح تجاوز ثنائية الحكام/المحكومين التي تخلط فيما تخلط فيه بين السلطة والدولة، ويجعل ذلك مستهلاً لفصوله في الجزء الأول من الكتاب، ومبيناً أنه خلافاً للادعاءات النيو ليبرالية المرتبطة بهجاء “الدولة”، والتي ترجمها الفكر اليومي الثقافي العربي في صيغة هجاء للسلطة، لم تفقد الدولة وظائفها كما لم تنحسر هذه الوظائف بل توسعت، مبلورا فكرة ان الدولة القوية التي تقوم وحدتها الضرورية على المواطنة هي شرط لمجتمع مدني قوي وفاعل. فالمواطنة بوصفها حداً ضرورياً من حدود الدولة الحديثة هي الأبرز على مستوى الإضافة البحثية في المكتبة العربية عن الدولة. وتبرز هذه الإضافة في كونها لدى بشارة المحدد البنيوي لمفهوم الدولة الحديثة الذي يحكم سائر حدودها الأخرى، فهي من نوع الحد الضروري الذي لم يرد في نظريات الدولة وفلسفتها. وفي ضوء متابعة المفكر لما يجري من احداث ووقائع تاريخية كبيرة طور بشارة فكرته في كتابه حول الانتقال الديموقراطي وإشكالياته (2020)، ذاهباً بفكرته الجوهرية إلى نهايتها، وهي أن رسوخ الدولة وقوتها شرط لنجاح عملية الانتقال الديموقراطي التي برزت وعودها في مرحلة بدايات ما أطلق عليه مجازياً “الربيع العربي”، وفي الانتقال من النموذج النظري إلى الواقع المباشر الحي تبرز قوة هذا البناء النظري من حيث الارتباط بين إخفاقات عملية التحول الديموقراطي صوب دولة المواطنة وبين هشاشة الدولة، فحين لا تستطيع الدولة تأطير التعددية الديموقراطية تبرز الشروخ العمودية الجهوية والقبلية والمذهبية والطائفية التي تدمر الهيئة الاجتماعية برمتها.
فما يميز بشارة في عمله الفكري المتواصل هو خاصة الجريان بين كتبه، وهي خاصة الوحدة العضوية على مستوى الجهاز المفهومي الذي يحكم إنتاج الأفكار، وتعطي للعمل الفكري المتواصل خصائص المشروع الفكري النقدي الذي يعتمد فيه بشارة منهجية تكاملية تقوم على تجسير الفعالية النقدية بين المقاربات النظرية والفكرية والسياسية والسوسيولوجية المتعددة، ليواجه السؤال – المعضلة عن الفجوة أو ما يصفه بالتوتر بين النموذج الذي يصوغه لنظرية الدولة وبين واقعه المحقق، ولاسيما واقعه في الدول العربية القائمة. فما طرحه في المجتمع المدني من صياغة جوانب مهمة في نظريته للدولة الحديثة، واصله في فصلين كبيرين في كتابه الكبير «الدين والعلمانية في سياق تاريخي» الذي صدرت أجزاؤه بين عامي 2013 و2015. فيتأسس كتابا الدولة هذين على تراكم فكري بحثي نقدي طويل في إنتاجه الفكري. وفي الجزء الثاني من كتاب الدولة الذي اختار له عنوان الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار (2023)، ينتقل بشارة من النموذج إلى الواقع، وما يبدو مجرداً إلى ما هو متعين. دراساً نشأة الدولة العربية الحديثة وسيرورة تطورها التاريخي المتعيّن، وسواء كانت من النوع الذي يعتمد شرعية تاريخية مبنية على قوة الجذور والمجال الترابي التاريخي أو تلك التي فبركت بفعل التقسيمات الاستعمارية. فالخاص المشترك الذي يميز نشأة الدولة العربية الحديثة في كل دول النوعين هو نشوؤها كمحاكاة لنموذج الدولة الحديثة الغربية، من دون المرور بالمراحل التي عرفها ذلك النموذج في تاريخه، ولكن الفارق بينهما هو في مدى ما يصفه بشارة بـ «متانة شرعية الدولة»، ليخرج بمقدمة تحكم الفهم تقوم على أن أمر شرعية الدولة بات مسلماً به، وأن ما يظهر كأنه نتاج لعدم شرعية الدولة لاسيما فيما كان يصفه الخطاب القومي الدولة القطرية هو نتاج القول بعدم شرعية النظم الحاكمة. ويحفر بشارة عميقاً في نشأة الدولة فيما يمكن تسميته باستعارة مصطلحات بروديل بالقرن العربي الطويل وهو القرن العشرون بدءاً من إرهاصات تكونه في مرحلة الحداثة العثمانية المسماة بالتنظيمات، ونويات الدولة العربية المعاصرة ما قبل العصر الاستعماري ثم الاستعمار ودوره في نشوء الدول، ويخوض هنا تجربة بحثية مقارنية بين عدة دول عربية ليصل إلى مفهوم الدولة الوطنية الذي كان الخطاب القومي ينفيه، ويصفه تبخيساً بالقطرية. ويطرح في سياق هذا الخوض إشكاليات الدولة العربية والقومية والأمة وقوة الدولة وضعفها. ونجد هنا تطويراً لما طرحه في كتابه المرجعي يومئذ في المكتبة العربية عن المجتمع المدني. تعالوا نقرأ عزمي بشارة من جديد.