
لا يكفي أن تمتلك سوريا فرصاً استثمارية حتى تصل إليها الشركات الأوروبية. فالمنافسة على رأس المال تبدأ من القدرة على تقديم البلد بوصفه سوقاً وشريكاً ومجالاً للإنتاج، لا مجرد ساحة تحتاج إلى إعادة الإعمار. وفي هذا التحول، يرى المهندس فهمي النجار الذي عاش في ألمانيا سنوات طويلة وعمل في مجال التعاون الاقتصادي والتكنولوجي أن سوريا تمتلك مقومات يمكن تسويقها، وأن السوريين في الخارج قادرون على لعب دور أساسي في فتح الأبواب أمام الشركات الأوروبية.
حمص.. الموقع يتحول إلى فرصة:
يضع النجار الموقع الجغرافي لحمص في مقدمة عناصر القوة التي يمكن للمدينة استثمارها، معتبراً أن وجودها في وسط سوريا يمنحها ميزة تتجاوز حدود المحافظة.
ويقول: «بالنسبة إلى موقع حمص الجغرافي، أي في وسط سوريا، إذا استطاعت أن تسوّق نفسها فسيكون لها شأن كبير، ويمكن أن تحصل على كثير من العطاءات المطلوبة من سوريا بسبب هذا الموقع».
ولا يعني ذلك أن الموقع وحده يكفي لجذب الاستثمار، لكنه يمنح المدينة ورقة اقتصادية مهمة إذا أحسنت تقديمها وربطها بالمشاريع المناسبة. فالموقع يمكن أن يصبح أساساً لمشاريع تخدم مناطق سورية متعددة، وتمنح حمص دوراً أكبر في الاقتصاد الوطني.
من قائمة المشاريع إلى تسويق الفرص:
يرى النجار أن سوريا بدأت خطوة مهمة من خلال مبادرة هيئة الاستثمار السورية التي جمعت المشاريع والفرص الاستثمارية وعرضتها، واصفاً إياها بأنها «مبادرة جيدة جداً»، ومتمنياً أن تكون «فاتحة خير».
أهمية هذه الخطوة، وفق هذه الرؤية، أن المستثمر يحتاج إلى فرصة محددة يستطيع دراستها، لا إلى دعوة عامة للاستثمار. ولذلك فإن عرض المشاريع بصورة منظمة، وتحديد مواقعها وقطاعاتها واحتياجاتها، يمكن أن يجعل التواصل مع المستثمرين أكثر فاعلية.
وهنا تتحول مهمة التسويق من مجرد التعريف بسوريا إلى تقديم مشاريع قابلة للدراسة، ثم إيصالها إلى الشركات التي تمتلك الخبرة والقدرة على تنفيذها.
السوريون.. قناة للوصول إلى الشركات:
يرى النجار أن السوريين المقيمين في ألمانيا يمتلكون ميزة يصعب تعويضها، لأن كثيراً منهم يعملون داخل الشركات والمؤسسات الألمانية، ويعرفون طبيعة عملها واحتياجاتها.
ويشير إلى السوريين العاملين في «مستشفيات أو مكاتب أو جهات صناعية»، معتبراً أن عودتهم للمشاركة في إعادة الإعمار وتنشيط الاقتصاد يمكن أن تفتح مجالاً واسعاً للتعاون.
ومن هنا، لا تنحصر مساهمة السوري في الخارج في رأس المال؛ فقد تكون قيمته في معرفته بالشركة التي يعمل فيها، وعلاقاته المهنية، وقدرته على تعريفها بفرصة سورية.
تجربة تركيا.. حين تتحول الهجرة إلى معرفة:
يستند النجار إلى التجربة التركية في ألمانيا بوصفها نموذجاً يمكن الاستفادة منه. فوجود أعداد كبيرة من الأتراك في ألمانيا لم يبقَ في إطار الهجرة والعمل، بل ساهم، بحسب رؤيته، في انتقال التكنولوجيا والخبرة إلى تركيا.
ويقول إن الأتراك «جلبوا كثيراً من التكنولوجيا الألمانية إلى تركيا»، ويرى أن استمرار وجود أشخاص يعيشون بين ألمانيا وتركيا أسهم في بناء روابط اقتصادية وتقنية متينة.
ويعتقد أن السوريين يستطيعون الاستفادة من هذا النموذج، إذا حافظوا على صلاتهم بألمانيا، ونقلوا ما اكتسبوه من معرفة وخبرة إلى بلدهم، بما يفتح المجال أمام «تطور» و«شراكة بين سوريا وألمانيا».
الثقة تبدأ من الداخل:
لكن تسويق سوريا خارجياً لا يمكن أن ينجح من دون تغيير البيئة الداخلية. وعندما سُئل النجار عن الصورة التي ينبغي أن تقدمها سوريا للمستثمر الأوروبي حتى تتحول من بلد يحتاج إلى المساعدة وإعادة الإعمار إلى شريك اقتصادي، جاءت إجابته واضحة:
«الاستقرار الداخلي وقوانين استثمارية مشجعة».
ويضيف أن سوريا «ماشية بالطريق الصحيح» في هذا المجال.
وتكتمل هذه الرؤية بما سبق أن شدد عليه النجار بشأن ضرورة تخفيف البيروقراطية وتسهيل الإجراءات، إلى جانب استقرار المنطقة، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لأي شركة أجنبية تفكر في استثمار طويل الأمد.
سوريا ورهان أبنائها في الخارج:
لا يرى النجار أن مسؤولية إعادة بناء سوريا تقع على الداخل وحده، بل يلفت إلى انتشار أبنائها في الخليج وأوروبا وأمريكا، وقدرتهم على المساهمة إذا توافرت الرغبة الجدية.
ويقول إن السوريين في الخارج «قادرون على القيام بدور في إعادة إعمار بلدهم وتنشيط الصناعة فيها».
وهكذا تلتقي ميزتان: موقع حمص داخل سوريا، وانتشار أبنائها خارجها. فإذا استطاعت المدينة تحويل موقعها إلى مشاريع، وتمكن أبناؤها من فتح قنوات مع المستثمرين، وأصبحت المؤسسات الاستثمارية قادرة على تنظيم الفرص ومتابعتها، يمكن أن تتحول حمص إلى نموذج للتكامل بين الداخل والاغتراب.
من الإعمار إلى شراكة اقتصادية:
سوريا الجديدة لا تحتاج إلى تسويق نفسها باعتبارها بلداً ينتظر التمويل لإعادة بناء ما دمرته الحرب فقط، بل باعتبارها بلداً يمتلك فرصاً وموقعاً وموارد وسوقاً تحتاج إلى شركاء.
لكن الرسالة الاقتصادية لن تكون مقنعة بالكلمات وحدها؛ فالاستقرار والقوانين والإجراءات والمؤسسات هي التي تمنحها المصداقية.
وقد يكون السوريون في ألمانيا أحد أهم مفاتيح هذه العملية، لأنهم يعرفون البلدين ويستطيعون تحويل المعرفة والعلاقات إلى جسور اقتصادية.
فهل تنجح سوريا في تحويل انتشار أبنائها في أوروبا، وميزات موقع مدنها ومشاريعها، إلى شبكة شراكات تجعل الشركات الأوروبية ترى فيها شريكاً للإنتاج والنمو، لا مجرد بلداً يحتاج إلى إعادة الإعمار؟