اتفاق دمشق و«قسد»: بداية مرحلة أم نهاية نفوذ؟

0 1

دخل الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات «قسد» مرحلة الاختبار الفعلي، بعد حلّ «قسد» كقوة عسكرية مستقلة والإعلان عن دمجها في الجيش السوري، بالتوازي مع تعيين مظلوم عبدي مستشاراً للرئاسة، والحديث عن انتقال إلهام أحمد إلى البرلمان، وتُشير هذه التطورات إلى تحوّل مهم في طبيعة العلاقة، من إدارة النفوذ عبر القوة العسكرية إلى محاولة بناء علاقة جديدة داخل مؤسسات الدولة. غير أن نجاح هذا الانتقال سيبقى مرتبطاً بمدى القدرة على تجاوز العقبات العسكرية والسياسية والتنظيمية التي ترافق عملية الدمج.

من الناحية الاستراتيجية، قد تبدو فرص استمرار الاتفاق أكبر من فرص انهياره، في ضوء التحولات التي طرأت على موازين القوى والظروف السورية والإقليمية. فدمشق تُريد استعادة القرار العسكري والسياسي والمالي وتوحيده ضمن مؤسسات الدولة، في حين تدرك قيادة «قسد» أن الحفاظ على المكاسب التي تحققت خلال سنوات الحرب لن يكون ممكناً إلى ما لا نهاية من خلال قوة عسكرية مستقلة، ومن هذه الزاوية، فإن انتقال مظلوم عبدي إلى موقع استشاري في مؤسسة الرئاسة يحمل دلالة سياسية تتجاوز الجانب الشخصي، باعتباره مؤشراً على محاولة دمج جزء من النفوذ الذي راكمته «قسد» ضمن بنية الدولة الجديدة.

لكن العقدة الأصعب قد تكون داخل «قسد» والمؤسسات المرتبطة بها، حيث تُوجد كتلة قد تخشى أن يؤدي الدمج إلى فقدان نفوذ وبنية تنظيمية تشكلت خلال سنوات الصراع، وقد تظهر انعكاسات هذا التخوف في بعض المواقف والأحداث. لذلك، فإن التحدي أمام قيادة «قسد» لا يقتصر على التفاهم مع دمشق، بل يشمل أيضاً توحيد القرار الداخلي، وضمان الالتزام بالاتفاق، ومنع وجود قوى قادرة على تعطيله أو الالتفاف عليه.

في المقابل، تقع على عاتق الدولة السورية مسؤولية أساسية في إنجاح الاتفاق. فلا يمكن مطالبة الكرد بالانتقال إلى منطق الدولة، في الوقت الذي تسمح فيه السلطات بوجود قوى اجتماعية أو عشائرية تتصرف خارج القانون أو تُمارس التحريض ضد مكوّن سوري. فالانتقال إلى دولة المؤسسات يفترض احتكار الدولة للسلاح واستخدام القوة، وضبط مؤسساتها المحلية، ومنع أي اعتداء أو تهديد على أساس قومي أوديني أو مناطقي.

كما أن تجريم خطاب الكراهية والتحريض، والتحقيق في الانتهاكات التي وقعت ومحاسبة مرتكبيها، أياً كانت هويتهم أو الجهة التي ينتمون إليها، يُمثلان شرطاً أساسياً لبناء الثقة. فالعدالة المتساوية ليست تفصيلاً هامشياً في الاتفاق، وإنما أحد شروط استمراره وتحوله إلى تسوية سياسية مستقرة.

ومن الخطأ أن تنظر دمشق إلى الاتفاق من زاوية أمنية وعسكرية فقط. فالدمج العسكري لا يُنهي القضية الكردية، كما أن إنهاء «قسد» كقوة عسكرية مستقلة لا يعني انتهاء المطالب السياسية للكرد. وإذا أرادت الحكومة الانتقالية الوصول إلى تسوية مستقرة ودائمة، فعليها معالجة الملفات المرتبطة بالحقوق الدستورية، واللغة والتعليم والثقافة، واللامركزية، والمشاركة السياسية، والتنمية المتوازنة، وغيرها من القضايا التي تشكل جوهر القضية الكردية في سوريا.

وكلما تحولت هذه المطالب من مطالب سياسية إلى حقوق قانونية ودستورية ومؤسساتية، أصبح التخلي عن السلاح أكثر قابلية للاستمرار، وأصبحت عملية الدمج أكثر استقراراً وأقل عرضة للانتكاس.

من هنا تبرز مسؤولية القوى السياسية الكردية، وفي مقدمتها المجلس الوطني الكردي، في تحويل المطالب الكردية إلى قضايا وطنية سورية قابلة للتفاوض والتثبيت الدستوري، وعدم اختزال القضية الكردية في العلاقة بين دمشق و«قسد» وحدهما، وعليه، أرجّح أن يصمد جوهر اتفاق دمشق و«قسد»، لكن تنفيذه سيواجه تحديات جدية، وقد يكون الطريق أمامه طويلاً ومعقداً، وسيبقى نجاحه، في تقديري، مرهوناً بعدة شروط أساسية: وجود حد أدنى من التوافق الكردي حول مسار الاندماج، وامتلاك دمشق إرادة حقيقية لبناء دولة تتسع لجميع مكوناتها، وتطبيق القانون بصورة متساوية على الجميع، وتجريم التحريض والكراهية ومحاسبة المعتدين، إلى جانب توفير ضمانات سياسية ودستورية تمنع العودة إلى سياسات الإقصاء والتهميش.

لقد تغيّرت طبيعة التوازنات. فلم يعد الرهان على امتلاك القوة العسكرية وحدها قادراً على إنتاج حل دائم، وإنما أصبح التحدي يتمثل في تحويل القوة والنفوذ اللذين راكمهما الكرد خلال سنوات الحرب إلى حقوق سياسية ودستورية ومؤسساتية ثابتة داخل الدولة السورية.

وبهذا المعنى، يمكن أن يكون دمج «قسد» بداية مرحلة جديدة في مسار القضية الكردية في سوريا، وليس نهايتها، ونجاح هذه المرحلة يحتاج إلى ما هو أبعد من الترتيبات العسكرية والأمنية: يحتاج إلى مؤتمر وطني حقيقي، وإلى عقد اجتماعي جديد بين مختلف مكونات المجتمع السوري، وإلى دستور يضمن الحقوق والحريات ويكرّس مبدأ المواطنة المتساوية، وإلى دولة قادرة على تطبيق القانون على الجميع.

أمّا إذا فشل هذا المسار، فإن أسباب الصراع ستبقى قائمة، حتى لو تغيّرت أدواته وأشكاله.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني