أزمة المحروقات: الأسباب والحلول بعيون المواطن

0 1

أكّدت الحكومة السورية باكراً تبنّيها رؤية للسير بالبلاد باتجاه الاقتصاد الحر أو اقتصاد السوق، كما يسمّيه آخرون، وهو مذهب اقتصادي له منظّروه وتجاربه وتاريخه، وبالطبع له مساوئه ومحاسنه، وهو الاقتصاد السائد عالمياً أو النموذج شبه الوحيد بعد فشل تجربة الاقتصاد الاشتراكي، حيث كان ذلك الاقتصاد هو السبب المباشر لخسارة الاتحاد السوفييتي ومحوره الاشتراكي للحرب الباردة مع النظام الرأسمالي ونموذج اقتصاد السوق الحر ومجموعة القيم الإنسانية والسياسية التي كان يحملها معه.

وفي الواقع لا يوجد حالياً غير هذا النموذج، والتي أخذت الصين شقّه الاقتصادي وتحلّلت من روافعه السياسية والإنسانية، وبالتالي ما زالت تنجح لحد الآن. كما تعتمد بعض الدول الإسكندنافية النموذج الليبرالي مع اشتراكية وطنية اجتماعية تتيح تأمين شبكات حماية اجتماعية واسعة تُخفّف من احتمالات صراع طبقي قادم أو تحول دون حدوثه، وهذه الدول غنية ومستقرة وديمقراطية، ولا تضم أعداداً كبيرة من السكان. ويوجد اقتصاد سوق أوليغارشي يمثّل رأسمالية الدولة الاحتكارية، وهو ريعي في الحالة الروسية وغير ديمقراطي، ويُتيح مرتعاً خصباً للفساد، والكثير من الدول تسير بهذا النوع من الاقتصاد…

وفي الدول الخارجة من الحروب أو الصراعات الداخلية، سواء كانت بفعل ثورة شعبية مسلحة امتدت لعقد ونصف أو حرب أهلية، سيكون مطروحاً أمام قيادة الدولة الجديدة: ما هو النموذج الاقتصادي الذي سنتبعه، وكيف سنسير، وإلى أين سنصل؟

وبما أن البداية ستنطلق من جديد، فقد ارتأت الحكومة السورية أن معضلة الإصلاح الاقتصادي تجربة لا بد من خوضها، وبالطبع لن تكون هذه المرحلة لها استحسان شعبي ورضى أو قبول، لأنها سترفع كلياً حمائية الدولة في دعم كثير من القطاعات وتدخّلها لصالح المجتمع، وبالتالي تقديم خدمات شبه مجانية، لكنها متدنية الجودة ولا تغطي إلا الحد الأدنى من متطلبات الحياة الأساسية.

في مرحلة الحرب، مارست سلطات الأمر الواقع نوعاً من الحمائية، فقد موّل نظام الأسد معظم الخدمات التي يقدمها (على قلّتها) من الاتجار بالكبتاغون وأخذ القروض المفتوحة من إيران، وبالتالي كان يعطي لموظفيه راتباً شهرياً بحدود الـ30 دولاراً في الشهر، مع بطاقة ذكية لبعض المواد الأساسية كالمحروقات وبعض السلع الغذائية لا تكفي العائلة لعدة أيام، مع الاستمرار في تغذية كهربائية لساعتين في اليوم، وبالتالي كان المجتمع والدولة يسيران في طريق الانهيار، وهو ما أثبتته الأيام لاحقاً في تداعي النظام ومؤسساته خلال 11 يوماً فقط، ولم تجد من الناس من يدافع عنه.

في مناطق الثورة، تكفّلت المساعدات العربية والدولية بملء فجوة غياب الدولة، وكانت السلال الغذائية ومجانية الصحة والتعليم وسياسات صفر ضرائب هي السائدة، وكانت تلك المناطق أحسن حالاً من مناطق النظام، وكانت مناطق شرق الفرات التي تديرها قسد تقع في الوسط بين مناطق النظام والمناطق المحررة، فهي أقل من ناحية الخدمات مقارنة بالمناطق المحررة، وأكثر من تلك الموجودة عند النظام.

ما أودّ الإشارة إليه أن الشعب السوري بأكمله الذي خرج من الحرب كان يخضع لحمائية من نوع ما، ومتعوداً على خدمات شبه مجانية، ومما فاقم المشهد أن كل مقدرات سوريا الاقتصادية ونخبها الإنتاجية وطبقتها المتوسطة كانت مدمرة بشكل شبه كامل، ولا تزال إلى حد الآن حواضن الثورة السورية لم تتمكن من تفكيك المخيمات وإنهائها، وبالطبع لا يقتصر الأمر على النيات الطيبة، ولكن لم تتوفر لحد الآن القدرات المالية والاقتصادية اللازمة.

خلال العام الأول، لم يلتفت الناس كثيراً إلى الصعوبات المعيشية، وكانت فرحة التحرير وإسقاط الأسد هي الطاغية على المشهد، إضافةً إلى تصريحات مجانية تعبّر عن حالة حماسية ونيات صادقة من قبل مسؤولين سوريين عن تحوّل سريع سينعكس إيجاباً على حياة المواطن.

تم تحشيد الرأي العام باتجاه أن إسقاط العقوبات عن سوريا هو العقبة الرئيسية أمام الازدهار الموعود، واستمر مسار إزالة العقوبات أكثر من عام، وكان مبالغة الحكومة في إظهار توقيع مذكرات التفاهم والاستثمارات الموعودة الأثر البالغ في مداعبة المخيّلة الشعبية عن فرج قادم ومؤكد.

أيضاً، لا تقلّ أهمية المعارك السياسية والإعلامية والعسكرية التي خاضها السوريون لتوحيد البلاد أرضاً وشعباً في تأجيل الجمهور للالتفات للحالة المعيشية الصعبة.

لا يختلف أحد على أنّ الحكومة الجديدة استلمت اقتصاداً مدمراً وعقوبات قاسية وخزائن خاوية، وكان استحقاق بناء الجيش والقوى الأمنية وترميم مؤسسات ووزارات الدولة الرئيسية وإجراء تحسين نسبي لمعدلات الرواتب والأجور يتقدّم عندها على أي اعتبار، ويبدو أنها امتصّت معظم مداخيل الحكومة (على قلّتها)، لكنها أحدثت بتلك الإمكانات القليلة أثراً ملموساً، لكنها لم تتمكن من تكوين شبكة حماية اجتماعية للفئات الأضعف في المجتمع السوري.

بدأت منذ صدور تعرفة الكهرباء الجديدة صرخات احتجاجية لم تتوسع كثيراً، وبعد استلام الحكومة لآبار النفط ومقدرات المنطقة الشرقية من تنظيم قسد، لم تتحسن الحالة، وأصيب المواطن السوري بخيبة أمل لأن كثيراً من المسؤولين السوريين أغدقوا الوعود بأن كثيراً من المشاكل سيتم حلها إذا حصل ذلك.

فاقم الأوضاع المعيشية سوءاً الارتفاع العالمي للأسعار، وخاصةً الوقود، بفعل ما تشهده المنطقة من حروب، سواء في الخليج العربي أو بين روسيا وأوكرانيا، وفي جوهر تلك الحروب هي حروب على الطاقة.

حدثت الاحتجاجات الأخيرة في بعض المناطق السورية بعد الرفع الحاد والمفاجئ لأسعار المشتقات النفطية، ويرى الأغلبية من الجمهور أن على الحكومة أن تكون مستعدة للتطورات الجارية في المنطقة، لأن الحرب مستمرة ولم تتوقف، ولا يبدو أنها ستتوقف في المدى القريب، وتكون الاستجابة تراعي حالة الطبقات الاجتماعية الأكثر ضعفاً.

ما كسبناه من هذه الأزمة العابرة أن الشعب السوري حيّ، وأن القاعدة الشعبية للحكومة لا تعطي تأييدها المطلق والدائم لكون أن العهد الحالي يوصف بالأمويّة، وأنه انبثق من داخل الثورة ومخيماتها، وأن لا شيك على بياض معطى منه. في الوقت نفسه، تبيّن أن الحكومة تقبل النقد والاحتجاج، ولو كان مخالفاً للقانون، وتقدّر الحالة الصعبة للسكان، وتم التعامل مع تلك الاحتجاجات بالشكل الأمثل، حيث لم تُجرَ ضربة كف واحدة، وعلى الحكومة الآن الاستفادة من الدرس لتقوية طرق تواصلها مع الجمهور، وإضفاء مزيد من الشفافية على خطواتها الحالية والمستقبلية، وعدم تكرار ما حدث في المستقبل.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني