
سوريا: أزمة عدالة أم امتحان ثقة؟
لم تعد العدالة الانتقالية في سوريا فكرة مؤجلة إلى مرحلة لاحقة، بل أصبحت واحدة من الاختبارات اليومية التي تواجه الدولة الجديدة. فكل حادثة قتل، وكل اعتقال، وكل انتهاك، تعيد طرح السؤال نفسه: هل تستطيع سوريا أن تبني عدالة، أم أن الحسابات السياسية والجغرافية والهوياتية ستظل تحدد من يحاسب ومن ينتظر؟
هذا السؤال يزداد إلحاحاً مع التطورات الأخيرة. ففي الأيام الماضية عادت التوترات بين العرب والأكراد إلى الواجهة في عين العرب «كوباني»، بعد حادثة قتل أشعلت توتراً بين أبناء المكونين، قبل أن تتطور الأحداث إلى اضطرابات داخل أحد السجون، انتهت بحريق ومقتل سبعة أشخاص على الأقل، نقلاً عن الإعلام الرسمي السوري. وأعلنت وزارة الداخلية فتح تحقيق في ملابسات الحريق.
قد تبدو الحادثة في ظاهرها حادثاً أمنياً محدوداً، لكنها في الحقيقة تكشف هشاشة أعمق. فبعد سنوات من الحرب والانقسام وسنوات طويلة من سلطات الأمر الواقع، لم تعد العلاقة بين المكونات السورية مسألة أمنية فقط. إنها أيضاً مسألة ثقة. وحين تقع جريمة جديدة، فإن الناس لا ينظرون إليها باعتبارها حادثاً منفصلاً، بل يضعونها مباشرة في ذاكرة طويلة من الخوف والاتهامات والتمييز والانتقام.
هنا تحديداً تظهر أهمية العدالة الانتقالية.
العدالة الانتقالية ليست عملية للانتقام من مرحلة سابقة، ولا محاكمات هدفها إرضاء جمهور سياسي. جوهرها أن يعرف السوريون أن القانون أصبح أعلى من الأشخاص والقوى والجماعات، وأن الجريمة لا تتغير طبيعتها بتغير هوية مرتكبها.
ومن الإنصاف القول إن ما بدأته الدولة السورية من محاكمات يحمل جوانب إيجابية مهمة. مجرد انتقال بعض الملفات من دائرة الاتهام السياسي والإعلامي إلى القضاء يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح. فالمحاكمة، حتى لو كانت بطيئة، أفضل من الانتقام في الشوارع، والتحقيق القضائي أفضل من الأحكام التي تصدرها الجماعات المسلحة أو الرأي العام.
لكن الإيجابية لا تعني أن المسار أصبح مكتملاً.
هناك شعور متزايد لدى قطاعات من السوريين بأن العدالة تتحرك ببطء شديد، وأنها لم تصل بعد إلى جميع الملفات التي تنتظرها عائلات الضحايا. وهذا البطء مفهوم جزئياً، لأن سوريا لا تتعامل مع حوادث منفردة، وإنما مع إرث هائل من الجرائم التي ارتكبت على مدى سنوات، وتحتاج إلى أدلة وشهادات وتحقيقات ومسؤوليات فردية.
السوري يريد أن يعرف: من يحاكم؟ وعلى أي أساس؟ ومتى تصل الملفات الأخرى إلى القضاء؟ وهل تشمل العدالة كل الانتهاكات أم أن هناك خطوطاً سياسية لا تستطيع الاقتراب منها؟
وهنا تأتي القضية الأكثر حساسية: الانتقائية.
إذا كانت العدالة ستلاحق جرائم النظام السابق، فهذا أمر طبيعي وضروري. لكن العدالة التي تستحق اسمها لا يمكن أن تتوقف عند هذه الجرائم. فكل من ارتكب انتهاكاً بحق المدنيين يجب أن يكون قابلاً للمساءلة، أياً كان علمه أو رايته أو انتماؤه السياسي أو القومي.
وهذا ينطبق على الانتهاكات التي ارتكبت في مناطق الجزيرة السورية، سواء ارتبطت بقوات «قسد»، أو بتشكيلات عشائرية، أو بأي جماعة مسلحة أخرى.
لا يعني ذلك وضع الجميع في سلة واحدة. وليس من العدل مساواة الجرائم المختلفة في حجمها وطبيعتها. لكن المبدأ بسيط: المسؤولية فردية، والدليل هو الذي يحدد الجاني، وليس الانتماء.
وهذا المبدأ يصبح أكثر أهمية في العلاقة بين العرب والأكراد.
فالأكراد السوريون جزء أصيل من المجتمع السوري، ولهم حقوق ثقافية وسياسية ومدنية لا ينبغي أن تكون موضع مساومة. وفي المقابل، فإن سكان دير الزور والرقة والمناطق العربية في الجزيرة لهم أيضاً حقهم في إدارة شؤونهم وفي الأمن والتمثيل والعدالة. المشكلة تبدأ عندما تتحول حقوق مكون إلى سلطة على مكون آخر، أو عندما تتحول مظالم الماضي إلى مبرر لمظالم جديدة.
الأحداث الأخيرة في كوباني تقدم إنذاراً مبكراً بأن الجرح لم يلتئم بعد.
وإذا كانت الدولة تريد فعلاً إنهاء مرحلة الانقسامات، فإن الرد لا يكون فقط بإرسال قوات الأمن أو فرض الهدوء. الأمن ضروري، لكنه لا يصنع المصالحة وحده. المطلوب تحقيق شفاف، ومعرفة الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وحماية الضحايا، ومنع تحول الجريمة إلى مناسبة للانتقام الجماعي.
سوريا تحتاج إلى أن تثبت أن الدولة الجديدة لا تنتقم من خصومها، لكنها أيضاً لا تحمي حلفاءها.
وهذه ربما أصعب معادلات المرحلة المقبلة.
فالعدالة الانتقالية الناجحة لا تعني أن يخرج الجميع من قاعة المحكمة راضين، وإنما أن يخرجوا مقتنعين بأن المحكمة كانت مستقلة، وأن الأدلة هي التي حكمت، وأن القانون لم يسأل الجاني: من أنت؟ بل ماذا فعلت؟
قد تتأخر العدالة، لكن لا يجوز أن تختفي. وقد يكون بناء القضاء والتحقيقات بطيئاً، لكن يجب أن يكون الاتجاه واضحاً. والأهم أن يشعر السوري، أياً كان انتماؤه، بأن الدولة تقف إلى جانبه عندما يكون ضحية، ولا تقف إلى جانب الجاني لأنه قريب منها.
لقد أنهكت الحرب السوريين ليس فقط بالقتل والدمار، وإنما أيضاً بانهيار الثقة. ولذلك فإن العدالة الانتقالية ليست ملفاً قضائياً فحسب؛ إنها محاولة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وبين السوري والسوري.
وإذا نجحت سوريا في هذه المهمة، فقد تتحول المحاكمات من عبء على المرحلة الانتقالية إلى أحد أهم جسورها نحو المستقبل.
أما إذا أصبحت العدالة انتقائية، فسوف تبقى الذاكرة مفتوحة، وستظل كل حادثة جديدة قابلة لإعادة إنتاج صراعات الماضي.
سوريا الجديدة لا تحتاج إلى عدالة تنتصر لطرف، بل إلى عدالة تنتصر للقانون.