
تركيا عامل قوة وتوازن لسورية الجديدة
سوف يتلعثم الكثيرون بالكلام، وسوف تتحشرج وتزدحم عبارات الاستنكار والنقد والتحفظ وأسئلة: لماذا وكيف ومتى وماذا؟ وسوف يتفيقه بعضهم ويتهمنا بالعاطفية، وربما الرومانسية، وسوف يتفلسف بعضهم الآخر ويسهب بشرح نظرية المصالح والانتهازية.
ولكن سوف ننهي هذا الحماس والاندفاع والحرص ونقول:
إنه وفقاً لنظرية المصالح وللحسابات المادية، بعيداً عن العواطف والمعنويات، فإن تركيا شريك مفيد، وإن تركيا قد حكمتها الظروف المحيطة بأن تهتم وتنشط في الساحة السورية، ومن أبرز الأدلة الظاهرة والواضحة، بعيداً عن الخيال الخصب في صالونات المؤامرة وأقبية الاستخبارات ومراكز الأبحاث، إن من الأدلة المباشرة هو تعيين نوح يلماز، بخبراته ومهاراته الاستخباراتية ورؤيته السياسية، تعيينه سفيراً في دمشق، سفيراً مفوضاً، أي يتمتع بصلاحيات خاصة تفوق صلاحيات سفير، ثم تكليفه كمبعوث خاص لوزير الخارجية هاكان فيدان – رئيس المخابرات سابقاً – وأن تعيينه هذا هو إجراء سياسي ميداني يدل بشكل واضح على أن سورية بالنسبة إلى تركيا هي جبهة عمل جيوسياسي ساخنة، مفتوحة ومفعّلة، وهي جبهة وضمنها عدة محاور اشتباك، وقد يكون اشتباكاً بارداً، ولكن خططه محبوكة ونتائجه حاسمة!! ألهذا الحد؟ نعم، ومن أهم المحاور:
1- مسألة كوردستان ومشروعها، ونحن هنا نتفق بشكل كامل مع تركيا وخططها وأهدافها، وتتطابق مصالحنا تماماً، فتركيا أفضل وأصدق وأقوى شريك وحليف.
2- إسرائيل وتغوّلها وغطرستها ومشاريعها التوسعية، وتركيا هي العدو الراهن الأول لإسرائيل، وتركيا تتناقض وتتنافس مع إسرائيل وغطرستها، ومشاريع إسرائيل وخططها هي معادية لتركيا ولأمنها القومي والاستراتيجي من الناحية العسكرية والسياسية والاقتصادية، وبالطبع ستكون تركيا ضد التغوّل والاعتداء والتوسع الإسرائيلي داخل سورية، لأن هذا هو بداية ورأس حربة لأي مواجهة ضد تركيا، وأي تقدم إسرائيلي فهو رأس جسر للوصول إلى تهديد تركيا، وهناك ناحية مهمة استجدّت، وهي أنه رغم أنها إسرائيل بنشأتها ووظيفتها المعروفة، فإن الأمريكيين، وبسبب مصالحهم ومن أجلها، فإنهم قريبون إلى جانب تركيا أكثر من قربهم إلى جانب إسرائيل ومشاريعها، وهذا كله بمحصّلته يصب في صالحنا.
3- عمليات وخطط التوازن مع الدول العربية، وهذا وإن بدا لبعضهم معقداً ومثيراً للريبة والتخوف، إلا أنه في الواقع أمر طبيعي يتعلق بتوازنات وتجاذبات وتحالفات الشرق الأوسط الجديد باتساعه، وإن أهمية تركيا ومكانتها في الناتو تمنح قوة وتوازناً للجميع، وتجعل الخطط والتوجهات أوسع نطاقاً وأعلى سقفاً وأكثر نضجاً.
4- الجوانب الاقتصادية الاستراتيجية، مثل قضايا ومشاريع النقل البري التجاري لربط آسيا مع أوروبا، وكذلك المشاريع المستقبلية لخطوط أنابيب نقل النفط والغاز العربي إلى أوروبا، ومسائل التنقيب واستخراج النفط في حوض شرقي المتوسط، إضافة إلى مسائل الاستثمار في سورية وإعادة الإعمار والبناء.
وإن تركيا في كل ما تم ذكره هي شريك مريح ومفيد، ومصالح تركيا لا تتناقص وتتعارض مع مصالحنا، بل هناك تكامل.
5- الجوانب الثقافية، ودون الشرح والتوسع، فإننا نتلاقى مع تركيا وتوجهاتها أكثر من تعارضنا معها، وهي تحتاج تعاوننا وتشاركنا معها أكثر من التنافس والتصادم، ولعل أخطر نقطة قد تكون استغلال تركيا لورقة مكوّن التركمان، ولكن مع ذلك فإن نفعها أكثر من ضررها، لأنه يمكن استخدامها للتوازن مع المكونات والإثنيات الأخرى، وهي بحكم حيثياتها بسقف وإطار محدودين.
إننا نؤكد بأن تركيا لاعب قوي في المسائل والقضايا السورية – ولا نقول الساحة السورية – وإننا نتلاقى معها في المصالح، ونكرر تأكيدنا على المصالح وما تقتضيها.