الفتنة: حين يفقد الغضب طريقه إلى السياسة

0 1

قد يبدو رفع أسعار المحروقات سبباً مباشراً للاحتجاجات التي شهدتها مناطق سورية عدة خلال الأيام الماضية، بعدما ارتفع سعر المازوت بنحو 40%، والبنزين 95 بنحو 28%. لكن الأسعار كانت الشرارة، لا كل الحكاية. فقد جاءت الاحتجاجات في بيئة مثقلة بضغوط المعيشة والخدمات، وتراجع الثقة، وأسئلة لم تجد بعد إجابات مقنعة حول العدالة والمحاسبة ومستقبل الدولة. وامتدت التحركات إلى الرقة ودير الزور والحسكة وريف حلب وإدلب، بما يؤكد أن المطلب الاقتصادي يلامس شعوراً أوسع بالقلق على الحياة اليومية.

ولذلك يصعب فصل ما يجري عن موجات احتجاج سبقتها. ففي النصف الأول من حزيران وحده، سجّل مشروع بيانات النزاعات المسلحة ومواقع الأحداث 41 تحركاً مطالباً بالعدالة الانتقالية والمحاسبة، شكّلت 40% من مجمل الاحتجاجات خلال تلك الفترة، وتركزت في حلب وإدلب ودير الزور وحماة وحمص وريف دمشق. وجاءت هذه التحركات وسط اعتراضات على بطء مسار العدالة الانتقالية، وغموض بعض التسويات، وعودة شخصيات مرتبطة بالنظام السابق من دون وضوح كافٍ بشأن مسؤولياتها. وحين يشعر الضحية أن الجريمة لم تجد طريقها إلى القضاء، وأن التسوية يمكن أن تسبق الحقيقة والمساءلة، يتولد شعور خطير بأن القانون عاجز عن إنصافه.

وتزداد المشكلة تعقيداً مع غياب الأحزاب القادرة على تنظيم المطالب وتمثيلها، وضعف القنوات السياسية التي تصل المواطن بمركز القرار. فحين لا يجد المواطن جهة سياسية تحمل اعتراضه، ولا مؤسسة قادرة على مراجعة القرار ومساءلة من اتخذه، تتسع المسافة بين المجتمع والدولة. وقد تحوّل غياب القنوات فعلاً إلى فجوة تواصل لا تقل خطورة عن فجوة الثقة. حين تنقطع قنوات التواصل بين المواطن ومؤسسات القرار، لا يختفي الغضب؛ يفقد فقط طريقه إلى السياسة.

عندها يصبح الشارع المساحة الأكثر وضوحاً للتعبير. والاحتجاج السلمي حق سياسي لا ينبغي أن يُعامل كتهديد للدولة، لكن بقاء المطالب خارج المؤسسات يفتح المجال أمام من يريد توظيفها أو دفعها نحو الانفلات. كما أن المعالجة الأمنية الخاطئة لمطلب سياسي قد تنقل الغضب من سؤال حول قرار أو مسؤول إلى شعور بالاستهداف، فتضيف إلى المظلمة الاقتصادية مظلمة سياسية أو هوياتية. وقد أظهرت احتجاجات سابقة كيف يمكن أن تدخل الولاءات السياسية وخطابات التخوين على خط احتجاجات بدأت بمطالب معيشية وخدمية.

من هنا تكتسب خطوة مجلس الشعب بطلب الاستماع إلى وزير الطاقة أهمية تتجاوز قضية المحروقات. صحيح أن للحكومة اعتبارات مالية واقتصادية قد تفسر رفع الأسعار، لكن مشروعية السبب الاقتصادي لا تلغي حق المجتمع في معرفة أسبابه ومراجعة آثاره ومساءلة المسؤول عنه. وتحرك المجلس خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه سيُقاس بقدرته على تحويل الاستماع إلى مساءلة، والمساءلة إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى قرار. فالمؤسسة التي لا تستطيع ترجمة شكوى المواطن إلى رقابة فعلية تتركه مرة أخرى أمام الشارع.

وهنا يدخل العامل الأخطر: العدالة. حين تتأخر المحاسبة، وتبقى بعض التسويات غامضة في نظر الضحايا، يبدأ الانتقام في تقديم نفسه بوصفه عدالة. وقد يتحول السؤال من: «من ارتكب الجريمة؟» إلى: «من أي جماعة هو؟». عندها ينتقل الأمر من الفعل إلى الفاعل، ومن الفاعل إلى الجماعة، ومن الجماعة إلى الهوية.

وحين تفشل العدالة في تحديد المجرم، تبدأ الهوية في تحديد المذنب.

إفلات الجاني من العدالة لا يمنح الضحية حق معاقبة جماعته. لكن استمرار الإفلات يخلق بيئة يصبح فيها هذا المنطق أكثر قابلية للانتشار، فتتسع المسؤولية من فرد ارتكب الجريمة إلى جماعة لم ترتكبها، ويتحول الخلاف السياسي إلى خوف وجودي.

الفتنة هي اللحظة التي تتحول فيها المسؤولية من الفرد إلى الجماعة، والمظلمة من قضية قانونية إلى هوية، والخلاف من نزاع سياسي إلى خوف وجودي.

ولهذا فإن حماية الدولة لا تكون بإسكات الشارع، كما أن حماية الاحتجاج لا تكون بتركه رهينة للفوضى. المطلوب أن يجد المواطن قبل الشارع حزباً يمثله، وبرلماناً يسأل باسمه، وقضاءً يحاسب باسم القانون، وحكومةً تشرح قراراتها وتتحمل مسؤوليتها.

فالفتنة النائمة لا تحتاج دائماً إلى من يشعلها؛ يكفيها ظلم لم يُعالج، وجريمة لم تُحاسب، وتسوية لم تُشرح، ومؤسسة لم تستطع حمل صوت المواطن. وعندها قد يبدأ الناس بالمطالبة بحقوقهم، وينتهون بالدفاع عن هوياتهم.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني