60 عاماً لسمير عثمان الشيخ.. القضاء الأميركي يفتح مساراً جديداً لمحاسبة مسؤولين سوريين

0 34

إدانة سمير عثمان الشيخ بتهم التعذيب تكشف مساراً تتقاطع فيه شهادات الناجين مع التوثيق الحقوقي والاختصاص القضائي خارج سوريا

لم تنتهِ قضية سجن عدرا عند أبوابه. ففي 17 أيلول/سبتمبر 2026، أصدرت محكمة فدرالية أميركية حكماً بسجن سمير عثمان الشيخ 60 عاماً، بعد إدانته بتهم التآمر لارتكاب التعذيب وثلاث تهم بالتعذيب، إلى جانب تهم تتعلق بالهجرة والتجنس. وكانت هيئة محلفين فدرالية قد أدانته في آذار/مارس الماضي.

الحكم لا يقوم على التوثيق الحقوقي وحده، بل على مسار قضائي استند إلى شهادات ناجين وأدلة ووثائق قدمها الادعاء الأميركي. لكنه يكشف في الوقت نفسه كيف يمكن لمواد التوثيق المستقل أن تدخل، بعد التحقق منها وربطها بأدلة أخرى، في مسارات قضائية خارج سوريا.

من سجن عدرا إلى المحكمة الأميركية:

تولى سمير عثمان الشيخ، برتبة عميد، إدارة سجن عدرا المركزي في دمشق بين عامي 2005 و2008. ووفق الأدلة التي عُرضت أمام المحكمة، ارتبطت القضية بتعذيب معتقلين وسوء معاملتهم، ولا سيما في القسم المعروف باسم «الجناح 13». كما أدلى ناجون بشهاداتهم أمام المحكمة حول ما تعرضوا له أو شاهدوه داخل السجن.

وفي آذار/مارس 2026، أدانته هيئة المحلفين بأربع تهم مرتبطة بالتعذيب، بينها التآمر وثلاث تهم بالتعذيب، إضافة إلى الاحتيال في استخدام وثيقة هجرة ومحاولة الاحتيال للحصول على الجنسية الأميركية.

وكان الشيخ قد وصل إلى الولايات المتحدة عام 2020، فيما أوقف في تموز/يوليو 2024. وارتبط جزء من القضية بالمعلومات التي قدمها إلى السلطات الأميركية بشأن ماضيه ومناصبه السابقة.

لكن السؤال القانوني الأوسع هو: كيف تمكن القضاء الأميركي من محاكمة شخص عن أفعال وقعت في سوريا؟

عندما يعبر الاختصاص حدود الدولة:

يتيح القانون الأميركي، بموجب المادة 2340A من الباب 18، ملاحقة جرائم التعذيب المرتكبة خارج الولايات المتحدة عندما يكون المتهم موجوداً داخل الأراضي الأميركية، وفق الشروط التي يحددها القانون.

وبذلك لم يكن مرور السنوات أو وقوع الأفعال في سوريا مانعاً بحد ذاته أمام المحاكمة. العامل الحاسم كان وجود أساس للاختصاص، إلى جانب توافر الأدلة التي يمكن تقديمها واختبارها أمام المحكمة.

وتكشف القضية بذلك أحد مسارات المساءلة المتاحة في جرائم ارتُكبت في سوريا: المحاسبة لا تتوقف بالضرورة على قدرة القضاء السوري على الوصول إلى المتهم، بل يمكن أن تنتقل إلى دولة أخرى عندما تتوافر شروط الاختصاص والأدلة.

ماذا فعل التوثيق السوري؟

تقول الشبكة السورية لحقوق الإنسان إنها دعمت التحقيقات المتعلقة بالشيخ منذ عام 2023، وقدمت إلى وزارة العدل الأميركية بيانات موثقة وتحليلات حول الانتهاكات المرتبطة بالمناصب التي شغلها، بالتنسيق مع جهات شريكة.

لكن أهمية هذه المساهمة تظهر أيضاً في حدودها.

فالشبكة توثق، خلال فترة تولي الشيخ منصب محافظ دير الزور، مقتل ما لا يقل عن 3933 مدنياً، بينهم 312 طفلاً و261 سيدة، إضافة إلى 93 وفاة تحت التعذيب و659 حالة اعتقال تعسفي، تحولت 508 منها إلى حالات اختفاء قسري.

غير أن هذه الأرقام، بحسب الشبكة، لا تمثل وقائع فصلت فيها المحكمة الأميركية، ولا تشكل بمفردها دليلاً على المسؤولية الجنائية الفردية للشيخ عنها. فالإدانة القضائية اقتصرت، في جانب التعذيب، على الوقائع التي أثبتها الادعاء أمام المحكمة بشأن سجن عدرا، إضافة إلى جرائم الهجرة والتجنس.

وهنا يظهر الفارق الأساسي بين التوثيق الحقوقي والإثبات القضائي: الأول يحفظ الوقائع ويرصد الأنماط ويوفر المعلومات، بينما تحدد المحكمة ما ثبت قانوناً بحق المتهم، وفق قواعد الإثبات ومعيار الإثبات المعتمد لديها.

الناجون في قلب الملف:

توضح القضية أيضاً الدور الذي يمكن أن تؤديه شهادات الناجين في تحويل الوقائع الموثقة إلى ملف قضائي. فقد استند الادعاء الأميركي إلى شهادات ضحايا تحدثوا عن التعذيب الذي تعرضوا له أو شاهدوه، إلى جانب وثائق وأدلة أخرى.

أما التوثيق المستقل، فيؤدي وظيفة مختلفة ومكملة: جمع المعلومات، والتحقق منها، وتحديد السياق الزمني والمكاني، وربط الوقائع والأنماط، وحفظ مواد يمكن للجهات القضائية مقارنتها بأدلة أخرى.

لذلك لا يعني إدراج واقعة أو اسم في قاعدة بيانات حقوقية ثبوت المسؤولية الجنائية. ولا تصبح المادة التوثيقية دليلاً قضائياً لمجرد وجودها في أرشيف منظمة؛ فقيمتها تحددها المحكمة في ضوء مصدرها وطريقة الحصول عليها وإمكان اختبارها ومقارنتها بغيرها من الأدلة.

مسار قضائي خارج سوريا:

لا يحسم الحكم الأميركي مسؤولية الشيخ عن جميع الانتهاكات التي وقعت خلال المناصب التي شغلها، ولا يحل بمفرده مسألة العدالة المتعلقة بالانتهاكات في سوريا.

لكنه يقدم نموذجاً لمسار قضائي يمكن أن يبدأ من شهادة ناجٍ أو عملية توثيق، ثم ينتقل إلى تحقيق رسمي، قبل أن يصل إلى المحكمة.

وفي هذه القضية، لم يكن المسار أميركياً خالصاً؛ فقد أشار القضاء الأميركي إلى تعاون مع جهات في ألمانيا ساعدت في الوصول إلى عدد من الشهود الموجودين هناك.

وهكذا تتشكل شبكة عابرة للحدود حول بعض ملفات الانتهاكات السورية: ضحايا في دولة، وأدلة جُمعت في دولة أخرى، وشهود في دولة ثالثة، ومحكمة تنظر في القضية وفق قانونها الوطني.

بعد أكثر من عقد على بدء توثيق الانتهاكات السورية، لا تكمن المسألة فقط في حجم الأرشيف الذي جرى بناؤه، بل في قدرته على اجتياز الاختبار الأصعب: متى يستطيع التوثيق أن يتحول إلى دليل قابل للاختبار أمام القضاء، من دون أن يتحول رصد الانتهاكات إلى حكم مسبق بالمسؤولية؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني