دمشق لا تبحث عن حليف بديل.. بل عن قرار مستقل

0 40

لم تكن زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد محطة في جدول الزيارات الخارجية، ولا مناسبة بروتوكولية لظهور سوريا على المنابر الدولية. فالمشهد الذي خرجت به دمشق من نيويورك يعكس، إلى حد بعيد، ملامح السياسة الخارجية السورية الجديدة. (الانفتاح على الجميع، والاستفادة من تعدد العلاقات، مع التمسك بالمصالح الوطنية، والثوابت، والسيادة).

وخلال عام واحد فقط، تبدلت صورة سوريا في المحافل الدولية بصورة لافتة.

فبعد سنوات طويلة من العزلة والعقوبات، أصبحت دمشق تتحرك في مساحة دبلوماسية أوسع، وتبني علاقات مع أطراف متعددة، وتستعيد حضورها في المؤسسات الدولية.

وقد تحدث الرئيس الشرع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن توحيد البلاد، وحصر السلاح، وإعادة بناء مؤسسات الجيش والأمن، ورفع العقوبات، واستعادة سوريا مكانتها بين الأمم.

ولعل اللافت أن هذا الانفتاح لم يكن محصوراً في اتجاه واحد، ففي نيويورك التقى الرئيس الشرع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، كما شارك في لقاء جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدد من القادة العرب والمسلمين، والتقى مسؤولين من دول مختلفة، بالتوازي مع لقاءات (سورية – عراقية) و(سورية – باكستانية) و(سورية – كويتية) وغيرها.

وهنا تكمن أهمية التجربة السورية الجديدة.

فالعلاقات الدولية ليست مسابقة لاختيار حليف واحد، وليست انتقال من محور إلى محور، فالدولة التي تريد استعادة قرارها الوطني تحتاج إلى توسيع خياراتها، لا إلى تضييقها.

وكلما اتسعت دائرة العلاقات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، أصبح لدى الدولة مجال أكبر للدفاع عن مصالحها والتعامل مع الملفات المعقدة.

وليس ملف الجولان بعيداً عن هذه المعادلة، ففي نيويورك عاد الجولان السوري المحتل إلى واجهة الخطاب السياسي السوري، وأكد الرئيس الشرع أمام الجمعية العامة أن الجولان سيبقى أرضاً سورية، وأن محاولات فرض واقع يخالف السيادة والقانون الدولي لن تغير هذه الحقيقة.

أما العبارة التي قالها الشرع إنه وجهها إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال حديثهما عن الجولان، حين سأله ممازحاً (لماذا لا تعطي نيوجيرسي للإسرائيليين؟) فقد تحولت إلى واحدة من أكثر العبارات تداولاً في الإعلام خلال زيارة نيويورك.

لكن قيمة العبارة السياسية ليست في المزحة نفسها، وإنما في الفكرة التي جاءت بعدها مباشرة (الجولان ليس أرضاً يملكها رئيس دولة حتى يمنحها لأحد).

وهذه ليست قضية سورية مرتبطة بخطاب سياسي عابر، بل لها أساس واضح في قرارات الأمم المتحدة، فقد أكد مجلس الأمن في القرار 497 لعام 1981 عدم الاعتراف بفرض إسرائيل قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل، كما واصلت الجمعية العامة للأمم المتحدة تأكيد مبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة. 

واللافت هنا أن دمشق لم تطرح قضية الجولان من موقع البحث عن مواجهة عسكرية، بل بالتوازي مع تأكيدها على الدبلوماسية والحوار.

وهذه نقطة تستحق التوقف عندها (التمسك بالحق الوطني لا يعني بالضرورة اختيار الحرب طريقاً لاستعادته، كما أن اختيار الدبلوماسية لا يعني التخلي عن الحقوق).

وهذا ربما هو أحد أبرز التحولات في طريقة إدارة الدولة السورية لملفاتها الخارجية.

فسوريا التي تدخل في حوار مع واشنطن ليست بالضرورة سوريا التي تتخلى عن حقوقها، وسوريا التي تطور علاقاتها مع تركيا وروسيا والدول العربية وأوروبا لا تحتاج إلى أن تجعل من علاقتها بأحد هذه الأطراف بديلاً عن الآخر، بل إن المصلحة السورية تقتضي أن تتحول هذه العلاقات المتعددة إلى رصيد سياسي واقتصادي ودبلوماسي يخدم الدولة السورية.

لقد أظهرت الأشهر الماضية أن الانفتاح السياسي يمكن أن يحقق نتائج ملموسة، فالولايات المتحدة اتخذت في 2025 خطوات باتجاه إنهاء العقوبات على سوريا، وربطت ذلك، في وثائقها الرسمية، برؤيتها لسوريا موحدة ومستقرة وقادرة على دعم الأمن الإقليمي. 

لكن رفع العقوبات أو استعادة العلاقات ليس نهاية الطريق.

التحدي الحقيقي أمام دمشق هو أن تحول هذا الانفتاح الدولي إلى قوة للدولة (مؤسسات أكثر تماسكاً، اقتصاد قادر على النهوض، جيش وطني، قرار أمني موحد، وعلاقات خارجية متوازنة لا تقوم على الارتهان.

ومن هنا يمكن فهم رسالة نيويورك.

لقد عادت سوريا إلى العالم، لكن المطلوب ألا تعود إليه بوصفها ساحة تتنافس عليها القوى، وإنما بوصفها دولة لها مصالحها وحدودها وحقوقها وخياراتها.

فالدبلوماسية السورية الجديدة لا تحتاج إلى أن تقول للعالم إن سوريا مع هذا الطرف ضد ذاك، يكفي أن تقول إن دمشق تريد علاقات جيدة مع الجميع، لكنها في الوقت نفسه تعرف أين تبدأ مصالحها الوطنية وأين تنتهي.

وفي هذا السياق، تبدو قضية الجولان أكثر من مجرد ملف حدودي مؤجل، إنها اختبار مبكر لمعنى السيادة في سوريا الجديدة.

فالانفتاح لا يعني التنازل، والحوار لا يعني التسليم، وتعدد الشراكات لا يعني تعدد مراكز القرار.

سورية الجديدة تستطيع أن تكون منفتحة على العالم من دون أن تكون متاحة للتنازل عن حقوقها.

وهذه، في النهاية، هي المعادلة التي تتبناها السياسة الخارجية السورية في المرحلة المقبلة (أصدقاء كثيرون، وشراكات متعددة، لكن قراراً سورياً واحداً).

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني