
سوريا أمام الاختبار الحقيقي: هل ستبني اقتصاداً جديداً أم تعيد إنتاج الاقتصاد القديم؟
سوريا اليوم أمام فرصة لم تكن موجودة منذ سنوات طويلة.
هناك حديث عن الاستثمارات، وإعادة الإعمار، وعودة السوريين، وفتح أبواب جديدة أمام التجارة والتمويل. كما بدأت خطوات لإعادة ربط النظام المالي السوري بالاقتصاد العالمي، وبدأت خدمات البطاقات الدولية بالعودة بشكل تدريجي.
لكن وسط كل هذا الحديث، هناك سؤال أعتقد أنه يجب أن يكون في قلب النقاش:
هل ستؤدي هذه المرحلة إلى بناء اقتصاد سوري جديد، أم أننا سنعيد بناء نفس الاقتصاد القديم ولكن بأموال جديدة؟
هذه ليست مسألة بسيطة.
لأن دخول مليارات الدولارات إلى بلد لا يعني بالضرورة أن المواطن سيصبح أفضل حالاً.
يمكن أن تُبنى أبراج وفنادق ومراكز تجارية وطرق ومشاريع ضخمة، وفي الوقت نفسه يبقى العامل يبحث عن عمل، ويبقى صاحب الورشة الصغيرة عاجزاً عن الحصول على التمويل، ويبقى المزارع يعاني من تكلفة الإنتاج، ويبقى الشاب مضطراً إلى مغادرة البلاد بحثاً عن فرصة.
لذلك فإن نجاح المرحلة القادمة لا يجب أن يقاس فقط بعدد المشاريع التي يتم افتتاحها.
بل بعدد فرص العمل التي خلقتها، وعدد الشركات الصغيرة التي نمت، وكمية الإنتاج المحلي الذي زاد، ومدى تحسن حياة الناس.
الاستثمار ليس الهدف الوحيد، من الطبيعي أن تبحث سوريا عن الاستثمارات الخارجية. لكن الاستثمار بحد ذاته ليس هو الهدف.
السؤال الأهم هو: ماذا سيترك الاستثمار داخل الاقتصاد السوري؟
هل سيخلق سلسلة من الشركات المحلية حوله؟ هل سيحتاج إلى عمال سوريين؟ هل سيشتري من المنتج المحلي؟ هل سينقل المعرفة والتكنولوجيا؟ هل سيخلق صناعة يمكن أن تستمر حتى بعد انتهاء المشروع؟
إذا دخل مستثمر وبنى مشروعاً كبيراً ثم بقيت معظم الأرباح خارج الاقتصاد، فقد يكون للمشروع أثر محدود على المدى الطويل.
أما إذا أدى المشروع إلى ظهور عشرات الشركات الصغيرة والموردين والعمال والخدمات المرتبطة به، فهنا يبدأ الاقتصاد الحقيقي.
لا تجعلوا إعادة الإعمار اقتصاداً لشركات قليلة، إعادة إعمار سوريا ستكون ضخمة، وهذا يعني أن هناك أموالاً وعقوداً ومشاريع كبيرة.
لكن من المهم ألا تتحول إعادة الإعمار إلى سوق مغلق أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة.
لماذا لا يتم تقسيم المشاريع الكبيرة إلى أجزاء تسمح للشركات السورية الصغيرة بالدخول فيها؟
شركة تنفذ أعمال الكهرباء، أخرى للنقل، أخرى للمواد، أخرى للصيانة، أخرى للتنظيف، أخرى للتركيب، وأخرى للخدمات اللوجستية.
بهذه الطريقة لا يكون المشروع مجرد عقد لشركة واحدة، وإنما يصبح سلسلة اقتصادية كاملة يستفيد منها عدد كبير من السوريين.
السوري في الخارج يمكن أن يكون أكثر من مجرد مُرسل أموال، هذه ربما واحدة من أكبر الفرص الموجودة أمام سوريا. السوري الموجود في ألمانيا أو الخليج أو تركيا أو غيرها لا يملك فقط المال، لديه خبرة، علاقات، معرفة بالسوق. وقد يكون لديه شركة أو مهنة أو خبرة إدارية اكتسبها خلال سنوات خارج البلاد.
لذلك يجب ألا يكون الهدف فقط أن يرسل المغترب 300 أو 500 دولاراً لعائلته. بل كيف يمكن أن يصبح شريكاً في الاقتصاد السوري؟
يمكن إنشاء منصات رسمية وشفافة تعرض مشاريع صغيرة ومتوسطة تحتاج إلى تمويل، وتوضح رأس المال المطلوب، والمخاطر، والعائد المتوقع، وطريقة خروج المستثمر من المشروع.
بمعنى آخر:
نحتاج إلى تحويل جزء من أموال الاغتراب من أموال للاستهلاك إلى رأس مال للإنتاج.
المصرف سيكون جزءاً أساسياً من المعركة، لا يمكن بناء اقتصاد حديث إذا بقيت الشركات تعتمد على النقد بشكل أساسي.
وهنا توجد خطوة مهمة بالفعل، إذ أقر البنك الدولي في أغسطس 2026 تمويلاً بقيمة 100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي السوري، بما يشمل أنظمة الدفع والبنية المصرفية والرقابة والخدمات الرقمية.
لكن النجاح الحقيقي لن يكون في وجود تطبيق مصرفي جميل. النجاح سيكون عندما يستطيع صاحب المشروع الصغير أن يفتح حساباً، ويدفع لموظفيه، ويستقبل أمواله، ويحول أمواله، ويحصل على تمويل، ويجري معاملاته مع الخارج بسهولة وأمان.
عندها فقط يصبح القطاع المصرفي أداة للنمو، وليس مجرد مكان لحفظ الأموال. لا نحتاج إلى اقتصاد يعتمد فقط على المشاريع العملاقة، قد يكون أكبر خطأ هو الاعتقاد بأن نهضة سوريا تحتاج فقط إلى مصانع ضخمة ومشاريع بمئات الملايين.
سوريا تحتاج أيضاً إلى مليون مشروع صغير، مزارع حديثة، ورشة أثاث، شركة نقل، شركة برمجيات، مصنع غذائي صغير، شركة صيانة، شركة لوجستية، مشروع سياحي عائلي، شركة لإعادة تدوير مواد البناء، مشروع للطاقة الشمسية.
هذه المشاريع تبدو صغيرة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن عندما يصبح لدينا عشرات الآلاف منها، فإنها تصبح اقتصاداً كاملاً.
وهناك جانب سياسي مهم للاقتصاد، الاقتصاد لا يعمل بعيداً عن السياسة والمؤسسات.
المستثمر لا ينظر فقط إلى حجم السوق، يسأل أيضاً:
هل القانون واضح؟ هل العقد محمي؟ هل المنافسة عادلة؟ هل أستطيع تحويل أموالي؟ هل أستطيع اللجوء إلى القضاء؟ هل القواعد نفسها تنطبق على الشركة الكبيرة والصغيرة؟ هذه الأسئلة قد تكون أهم من قيمة الضريبة أو سعر الأرض.
لأن رأس المال يبحث عن الربح، لكنه يبحث أيضاً عن الثقة والاستقرار وقابلية التوقع. الاختبار الحقيقي سيكون في التفاصيل، قد يكون من السهل الإعلان عن مشروع بمليار دولار.
لكن الأصعب هو أن نعرف:
كم وظيفة خلق هذا المشروع؟ كم شركة سورية شاركت فيه؟ كم من مواده تم شراؤها من السوق المحلية؟ كم بقي من القيمة داخل سوريا؟ هل ساعد في نقل التكنولوجيا؟ هل أدى إلى ظهور مشاريع جديدة حوله؟ هذه هي الأرقام التي يجب أن نبدأ بالحديث عنها.
سوريا أمام فرصة، لكن الفرصة وحدها لا تكفي، الظروف الاقتصادية الدولية لسوريا بدأت تتغير، وصندوق النقد يرى مؤشرات على تعافٍ اقتصادي، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن الفقر ما زال واسعاً وأن النمو غير متساوٍ بين المناطق، وأن إصلاح المصارف والمؤسسات الاقتصادية ما زال ضرورياً.
وهذا يعني أن المرحلة القادمة ليست مضمونة النتائج. يمكن أن تتحول إعادة الإعمار إلى بداية اقتصاد أكثر إنتاجاً وتنوعاً.
ويمكن، إذا لم تُبنَ القواعد المناسبة، أن تتحول إلى مجرد دورة جديدة من العقود والمشاريع والاستهلاك. لذلك ربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس:
كم مليار دولار تحتاج سوريا لإعادة الإعمار؟
بل: ماذا نريد أن يصبح الاقتصاد السوري بعد أن ننفق هذه المليارات؟
إذا كان الجواب هو اقتصاداً ينتج أكثر، ويوظف أكثر، ويصدر أكثر، ويفتح المجال أمام الشركات الصغيرة، ويستفيد من خبرات السوريين في الداخل والخارج، ويعمل ضمن مؤسسات وقواعد واضحة، فهنا تكون إعادة الإعمار بداية حقيقية.
أما إذا كانت النتيجة مجرد مبانٍ جديدة وشوارع جديدة وشركات جديدة، بينما تبقى نفس مشاكل الإنتاج والتمويل والعمل والثقة، فنكون قد أعدنا بناء البلد دون أن نعيد بناء الاقتصاد.
وربما تكون هذه هي المعركة الحقيقية لسوريا في السنوات القادمة: ليس فقط إعادة بناء ما دمرته الحرب، وإنما تحديد من سيملك الفرصة الاقتصادية في سوريا الجديدة، وكيف يمكن أن تصل هذه الفرصة إلى أكبر عدد ممكن من السوريين.