
الدرر المسكوت عنها في ثروات سورية المالية والاقتصادية
بدلاً من الاهتمام وإعمار الداخل السوري اقتصادياً، على الأقل بإمكاناته الذاتية، نجد أن الحكومة الانتقالية تركض وراء سراب أموال الغريب. وبالنتيجة «رجعت بخُفَّي حُنين».
علينا أن نتذكر أن دول الخليج العربية، وهي المموّل المتوقع حكومياً واستثمارياً، أصبح وضعها المالي سيئاً جداً نتيجة الحرب الأمريكية – الإيرانية. أما أوروبا وأمريكا، فإنه كان من المستبعد أساساً أن تستثمر بشكل جدي في سورية. وهذا يقودنا إلى حقيقة أنه لن يكون هناك تمويل لإعادة الإعمار بوضعنا السياسي الحالي، وأن الإبداع هو في كيفية الاعتماد على الذات والثروات السورية أولاً. وكما قال الشاعر حافظ إبراهيم متغزلاً باللغة العربية:
«أنا البحر في أعماقه الدرّ كامنٌ… فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟».
استعرت هذا البيت مجازاً ليعبّر عن الدرر، أي الثروات الاقتصادية والمالية الكثيرة الكامنة في وطننا سورية. ولكن لا يراها الغواص السوري الحاكم!
هِمَمُ الرجال الضعيفة
سورية تحتاج الآن إلى وقفة عز وخطة إعمار سريعة لكل الطبقات، وبإمكاننا تمويلها من خيرات البلد فقط، قبل فوات الأوان.
المصيبة أن هِمَم الرجال في قيادة سورية ضعيفة جداً. وعيونهم تنظر إلى سراب الغريب ولا ترى القريب أمام ناظرها. اقتصاد سورية متوقف، بل منهار تقريباً. وشعبها يعاني الفقر والعوز في معيشته اليومية، ويعاني من المأساة التي تركها النظام البائد. ولا تخدعك «الفزلكات» الإعلامية البائسة عن الإنجازات. لا يكفي أن تنشر السلطة مظاهر القوة على كل الطرقات، بل الجرأة أن تبدع في تحسين أحوال الناس، بإشراكهم في صنع حياتهم والإصغاء إليهم.
والحكومة الانتقالية لا تزال تتحفنا، بعد ما يقرب من عامين على سقوط النظام البائد، بعبارة «الخزينة العامة فارغة وسرقها قبل رحيله». نعم. وربما يجيب على هذه العبارة راعي الغنم مثلاً قائلاً: «والله يا ابن أخوي، عقلك هو الفارغ». بلد مثل سورية فيها خيرات الدنيا، بس أنت لا تعرف كيف تنميها!
وعن الشاعر عمرو بن الأهتم:
«لَعَمْرُكَ ما ضاقت بلادٌ بأهلها… ولكن أخلاق الرجال تضيق» هو أقرب وصف للواقع السوري عام 2026.
كانت ميزانية سورية العامة تظهر فائضاً (وليس عجزاً مالياً)، وخيراتها الذاتية كافية لتنفيذ كل مشاريعها العامة تقريباً عندما كانت تُدار بعقل.
سوء استغلال الدرر الاقتصادية
جاء النفط من المنطقة الشرقية في ثمانينيات القرن الماضي (وقبلها حقول الرميلان بالحسكة) ليوحي للناس أن الخير وفير. وبدأت الاتكالية الرسمية تبشّر، وتخدّر الناس بها. وكلما سأل سائل: أين إيرادات النفط؟ يجيب أحد المسؤولين، إنها في أيدٍ «أمينة»، لدرجة أنهم تحيّروا، عن أي أمينة يتحدثون؟ ومع ذلك، لا تزال أعناق المسؤولين في الحكومة الانتقالية مشرئبّة إلى سراب أموال الخارج التي لن تأتي، إلا بثمن باهظ، هذا إذا جاءت.
قائمة الدرر المسكوت عنها:
سوف نعدد هنا بإيجاز ستة من هذه الدرر التي لم ترها أعين المسؤولين:
أولاً: الإنسان السوري المبدع
الثروة الإبداعية في عقل الإنسان السوري ليست صناعة إعلامية، بل هي حقيقة ثابتة. عندما يمسك الإنسان السوري مجرد طرف خيط من حرية اقتصاد السوق وحرية التصرف، نجده مبدعاً فعلاً في داخل سورية وخارجها. والأمثلة لا تُعد ولا تُحصى. وهذا الإبداع هو من يحوّل الحجر إلى ذهب، ويرفد خزينة الدولة بأموال هائلة.
ثانياً: عائدات النفط والثروات المعدنية
قد لا يكون إنتاج سورية من النفط والغاز والفوسفات في الترتيب الأول عالمياً، ولكنه بالنسبة لحجم الاقتصاد السوري هو درّة وثروة ضخمة. ويتم تغييب النفط باستمرار عن أعين السوريين بصورة مريبة بسبب قوى الفساد في السلطة. وإنتاج النفط السوري هو أكبر من إنتاج بعض الدول الأعضاء في أوبك. ومع هذا فإنها دول مرفهة وسورية تصارع للبقاء على قيد الحياة.
ثالثاً: إيرادات النظام الضريبي
على مدى عقود، كانت حصيلة النظام الضريبي في وزارة المالية هي المصدر الأساسي لتمويل الدولة. وهو لا يزال مهماً حتى مع وجود النفط. إلا أن الفساد المستشري في أجهزة الحكومة، وعدم الكفاءة المهنية، وضعف الثقة بين المواطن والحكومة، جعل هذا المصدر الهام يبدو كأنه مجرد جباية عشوائية فاقدة لدورها الاقتصادي والسياسي.
رابعاً: مردود الموقع الجغرافي
موقع سورية الجغرافي نعمة من الله، فالجغرافيا نفسها أعطت سورية ميزة اقتصادية رهيبة في طرق التجارة والمواصلات، بما يدر عليها الكثير من الميزات والإيرادات إذا أُحسن إدارته.
خامساً: ميزة بيئة التاريخ والسياحة
تمتلك سورية ميزات أخرى مهمة، وهي بيئة السياحة والثقافة والتاريخ، لكل الفصول تقريباً. وهو مصدر آخر للدرر المسكوت عنها، وأُهمل تحت غبار المعارك والحروب.
سادساً: مساهمة المغتربين السوريين
وهذه درة مكنونة أخرى توازي ثروة النفط إذا أُحسن استقبالها واستغلالها. وتصل أعداد المغتربين إلى عدة ملايين. وارتباطهم بوطنهم قوي. ومن بينهم شريحة مهمة مقتدرة مالياً ومعرفياً، قادرة على الإسهام بقوة في الاقتصاد الوطني، ومن ثم توليد موارد مالية مهمة.
زبدة الكلام
الخطوة الأولى هي إعادة ترتيب البيت الداخلي السوري سياسياً حتى ينطلق الاقتصاد.
كفى تهرباً وهروباً، أيتها الحكومة الانتقالية، من مهمة تفجير الطاقات الاقتصادية الرهيبة للبلد، واستخراج الدر الكامن في أعماق سورية دون الحاجة إلى استجداء الخارج. ولا حرج أن أعلنتم عجزكم.
أوقفوا مهزلة الصناديق المالية السيادية السورية التي تعمل في الظلام، بغموض تام، وكأنها الثقب الأسود الذي يبتلع خيرات البلد. لا غنى عن الشفافية المطلقة لبناء الدولة، صارحوا شعبكم، فهو السند وهو الدر الذي لا يُقدّر بثمن.
سورية لديها درر وثروات مكنونة تحتاج إلى غواص ماهر يستخرجها من مكامن اللؤلؤ.
كفانا سماعاً للأسطوانة المشروخة بأن النظام البائد ترك سورية مفلسة، لا تندبوا حظكم، وتوقفوا عن الركض وراء سراب الغريب، وانظروا إلى بلدكم وأهلكم بعين الشريك لا بعين المتغلب.