
الهوية السورية: حين تصبح الثقافة وطناً مشتركاً
ليست الوطنية علماً يُرفع أو نشيداً يُردد
الوطنية شعور بالانتماء إلى وطن يشعر فيه الإنسان أن له مكاناً وحقوقاً وكرامة، وأن اختلافه عن الآخرين لا يجعله أقل سورية. ومن هنا ترتبط الوطنية بالهوية والثقافة؛ فالثقافة هي ذاكرة المجتمع، والهوية هي صورته عن نفسه، والوطنية هي الإطار الذي يسمح لهذه الهويات المختلفة بأن تعيش معاً داخل دولة واحدة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في سوريا، التي تشكلت عبر آلاف السنين من تفاعل شعوب ولغات وأديان ومذاهب ومناطق متعددة. دمشق وحلب وتدمر وبصرى، والإرث الآرامي والعربي والكردي والسرياني والأرمني والتركماني والشركسي، إلى جانب التنوع الديني والمذهبي، كلها أجزاء من الشخصية السورية. وهذا التنوع ليس مشكلة ينبغي التخلص منها، بل ثروة يمكن أن تكون أساساً لهوية وطنية جامعة.
المشكلة السورية لم تكن في التنوع، وإنما في الطريقة التي تعاملت بها السياسة معه. فعندما تُفرض الهوية الوطنية من أعلى، وتُقدم رواية واحدة للتاريخ والثقافة، يشعر بعض السوريين بأنهم خارج هذه الرواية، فيلجؤون إلى هوياتهم الفرعية بحثاً عن الأمان والانتماء. لذلك فإن الوطنية الحقيقية لا تعني أن يتخلى الكردي عن كرديته، أو السرياني عن لغته، أو العربي عن عروبته، ولا أن يخفي المسلم أو المسيحي أو الدرزي أو العلوي خصوصيته، بل أن يشعر الجميع بأن هذه الخصوصيات يمكن أن تكون جزءاً من الهوية السورية وليست بديلاً عنها.
وقد انعكس هذا المبدأ في بعض النصوص السورية الحديثة، ومنها الإعلان الدستوري لعام 2025 الذي أكد التنوع الثقافي والحقوق الثقافية واللغوية والمساواة بين المواطنين، إضافة إلى المرسوم رقم 13 الصادر في كانون الثاني/يناير 2026، الذي اعترف بالكرد جزءاً أصيلاً من الشعب السوري، وأكد حقوقهم الثقافية واللغوية. وبصرف النظر عن التقييم السياسي لهذه الخطوات، فإن الفكرة الأساسية واضحة: يمكن للدولة أن تعترف بالتنوع من دون أن تتخلى عن وحدتها.
لكن السؤال الأهم هو: هل تستطيع السلطة السورية الحالية تحويل هذه المبادئ من نصوص إلى واقع؟ وهل تمتلك الإرادة السياسية لبناء دولة يشعر فيها السوري، أياً كانت قوميته أو دينه أو منطقته، بأنه مواطن كامل الحقوق؟ وهل تستطيع أن تتعامل مع الثقافة باعتبارها مساحة جامعة، لا أداة لإنتاج رواية رسمية جديدة؟ وهل تستطيع ضمان ألا تتحول الهوية الوطنية مرة أخرى إلى وسيلة للتمييز أو الإقصاء؟
هذه الأسئلة ليست هامشية، لأن بناء سوريا الجديدة لا يتوقف على إعادة إعمار المدن والطرق والمؤسسات، بل يحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الذاكرة الوطنية. فالمدرسة والإعلام والفن والمسرح والسينما والأدب تستطيع أن تؤدي دوراً أساسياً في تعريف الأجيال الجديدة بتاريخ سوريا بوصفه تاريخاً مشتركاً ساهمت فيه مكونات متعددة. وينبغي أن تتسع المناهج والرواية الوطنية لكل المناطق والمجتمعات السورية، من دمشق وحلب إلى الجزيرة والساحل وحوران ودير الزور والسويداء والفرات.
إعادة إعمار الحجر ضرورية، لكن إعادة إعمار الذاكرة لا تقل أهمية. فالمدينة ليست أبنية وشوارع فقط، والجزيرة ليست نفطاً وقمحاً، وتدمر ليست حجارة وآثاراً؛ كل منطقة تحمل جزءاً من الذاكرة السورية. وكلما شعر أبناؤها أن ثقافتهم وتاريخهم معترف بهما، أصبح ارتباطهم بالدولة أقوى.
الهوية السورية التي تحتاجها المرحلة المقبلة ليست هوية إلغاء بل هوية جمع. لا تسأل السوري: من أنت قبل أن تكون سورياً؟ بل تسأله: ماذا تستطيع أن تضيف إلى سوريا؟ فالوطن لا يصبح أقوى عندما يتشابه أبناؤه، بل عندما يشعر المختلفون أنهم متساوون في الحقوق والكرامة والمواطنة.
وهنا يبقى الاختبار الحقيقي للسلطة الحالية: هل تستطيع الانتقال من خطاب الاعتراف بالتنوع إلى ممارسته في مؤسسات الدولة والقانون والتعليم والإعلام؟ وهل تستطيع بناء دولة يكون فيها السوري شريكاً في الوطن، لا تابعاً للسلطة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد، إلى حد كبير، ما إذا كانت سوريا قادرة على بناء هوية وطنية جديدة تجمع أبناءها بدلاً من أن تعيد إنتاج انقسامات الماضي.